فهرس الكتاب
القائد أمة له كان شيء من الأدواء يصيبها، فقرأت عليها شيئًا, فظهر فيها برء في الحين. ثم أخذ القائد بيدي فأدخلني إلى الفقهاء الحاحيين الذين معه، ومنهم: سيدي الحسين التاحبوستي، وسيدي محمد بن مولود، فقال لهم: هذا هو فلان الذي بعثتم إليه، فها هو ذا الآن، فناظروه كما تشاءون. فقالوا له: ليس عندنا نحن ما نقوله، وإنما استدعيناه استجابة لشكاية سيدي محمد بن العربي الأدوزي الذي قال: إنه مرتد، يهتك حرمة الدين. فقال لهم القائد: أولًا أقول لكم دائمًا: إن الذين بعثونا إلى ( سوس ) لم يبعثونا لتقويم العقائد، وإنما بعثونا لجمع الدراهم لهم. قال: ثم ودعني القائد، فرجعت. قال الحاكي: إن الحاج بلخير كان متهجدًا عابدًا، وهو ابن امرأة منا ( آل المحجوب) فنحن أخواله. وقد كنت أنا عنده يومًا مع أناس، فقال له أحدهم: ادع لنا. فقلت مبادرًا للقيام:
قوموا بنا، ولم أجلس للدعاء، فلما خرجنا قلت لهم: إن مثل هذا المجذوب المتقشف لا يطلب منه الدعاء؛ لأنه قد يدعو علينا من حيث لا يشعر بالفقر والضيق، فيضربنا من حيث يظن أنه يحسن إلينا، فلما وصله خبر ما قلت قال: إن خالي علي بن الطاهر طالب لا يترك تعقلاته، وقد أنشد عنده يومًا قول ابن الفارض:
إن كان منزلتي في الحب عندكم * ما قد رأيت فقد ضيعت أيامي
فقال: إن هذا الحمار المتعجرف ابن الفارض يرى لنفسه مقامًا يستحق به نيل المقامات، أو لا يدري أنه لا ينبغي للعبد إلا المزبلة؟ حتى لو ألقاه ربه في النار لفرح بها؛ لأن فيها تنفيذ إرادة ربه، وهكذا كان مذهب الحاج بلخير الذي تدور عليه مذاكراته دائمًا، وهو إذا تكلم في إنسان يسميه بأقبح الأوصاف, كالحمار والكلب.