فهرس الكتاب
في كل زمان وفي كل جيل ينبعث رجال يجدون من أنفسهم ما يحفزهم للقيام بوظيفة الإرشاد ووعظ الناس، وهديهم إلى سواء الصراط المستقيم، ثم يمضون أعمارهم كلها في ذلك لا يهدأ لهم بال، ولا يرتاحون كلما رأوا عاسفًا حتى ينبهوه إلى أنه لم يكن من المهتدين، ثم هؤلاء أجناس وأصناف، فمن كان منهم عالمًا وقام بهذه الدعاية وعرف كيف يسلك بالناس إلى صراط الرشاد سمي مصلحًا، وإن كان من الصوفية، وأعطي من تلك القوة الروحانية التي تتربى بتك الخلوات، وسر تلك الأذكار، سمي شيخًا مربيًا، وإن كان بين هؤلاء وأولئك سمي واعظًا ناصحًا، وإن كان مثل الحاج بلخير المتقدم، بلا علم ولا حال، فإن له ما له عند ربه.
صاحب الترجمة من هذا النوع الثالث، ليس بمتعلم، ولا بذلك الصوفي الحار الذي تهذب على تلك الكيفية المعروفة عند أهلها، لكنه ذلك المسكين الساذج الذي صيغ كله من حب الخير للناس، فكان لا يفتأ جولانًا في كل قبيلة قبيلة، وفي كل سوق سوق، فكان أينما حل يرفع راية الهداية، ويفتح باب الإرشاد، وينشر من قصائد وعظه ما يستثير به القلوب، حتى تتطلع إلى علام الغيوب، فكثيرًا ما تراه بعكازته ومزوده سائرًا وحده في طريق، ثم إذا لاقيته وأجريتما سنة الإسلام في السلام يفتح لك بابًا من أبواب الوعظ، ولو لم تقف معه إلا ساعة على ظهر الطريق، وأما إذا كان في محفل أو في موسم فإنه يجول جولة تهز الأفئدة من أعماق الصدور، فمن ذا الذي يجهل التومليليني الواعظ؟ وما من سوق سوق إلا وقف فيها، والناس مستديرون به ينذر ويبشر، ويندد بالمذنبين، ويبهج الطائعين، ثم لا يطوي لسانه حتى ترى الوجوه الحاضرة متألقة مما سرى إليها من الأنوار التي تجلو من السرائر ما قدحه وعظه فيها. ثم إن من لم يكتنه حاله يظنه من أولئك المتكففين الذين ينصبون مواعظهم شباكًا