فهرس الكتاب
لو فتح عليه كما يفتح على العارفين الكبار من الصوفية، فتقدم إلى شيخه سيدي أحمد بن محمد، فطلب منه أن يأخذ بيده حتى يسلك المسلك الذي يقرأ عنه في كتب الصوفية، فأجابه سيدي أحمد بن محمد بأنه ليس هناك، وأن ما يتعاطاه إنما هو من باب التبرك لا من باب التسليك والتربية على ما عهد عند أرباب هذا الشأن. فانكمش المترجم على نفسه، فلازم باب الله ينتظر ما تأتي به الأقدار. وفي ليلة أقبل إلى مدرسته الشيخ سيدي سعيد المعدري في طائفة أصحابه، فباتوا في محله من غير أن يطعموا شيئًا، ولعلهم دخلوا بعد أن ابهار الليل، ثم لما صاروا يتذاكرون وهم في مسمع من رب المثوى، سمع من رئيسهم سيدي سعيد ما كان يتطلبه مما قرأه من كتب القوم، فسأل أحد الفقراء عن هذا الرئيس، فقال له: إنه الشيخ المربي. فاستدعى إليه الشيخ، فبمجرد ما رآه وقع في قلبه أن طلبته عنده، ولما دخل عليه الشيخ المعدري قال له: أول ما تفعله أن تأمر بشيء يتقوت به الفقراء، فإنهم واصلوا أيامًا بالسغب، وعجل بما تيسر. فأمر أن تعصد لهم العصيدة، فلما قضوا حاجتهم جلس مع الشيخ، وقد استدعى الشيخ إليه الفقهاء من أصحابه كالشيخ التاموديزتي والشيخ الإلغي، وهما إذ ذاك سائحان معه بين الفقراء، ففاتحه المذاكرة في حضرتهما ليستعين بما يشاء من القرآن والحديث من عندهما؛ لأن الشيخ أمي، لكن سيدي الحسن طاب نفسًا في الحين، فانقاد للشيخ بلا مراوغة، وأعطاه يده ولقنه ما لقنه. فقال له سيدي الحسن: طالما كنت أتمنى أن ألقى مثلك، ولم أظفر بمنيتي إلا اليوم.
وسحاب الخير لها مطر * فإذا جا الأبان تجى
ثم قال في الحين للشيخ: إنني يا سيدي، كما ترى؛ مسن، عاجز عن أن آتيك كما هو الواجب على المريد لشيخه. فقال له سيدي سعيد: نحن الذين نأتيك بأنفسنا. فقال له: ومن الذي يأتيني بعدك؟ فقال له الشيخ: يأتيك هذا، فأشار إلى الشيخ الإلغي، ثم أذن له في إرشاد العباد في الحين.