فهرس الكتاب
كان قليل الأسفار جدًا، حتى إنه هم مرة أن يسافر، فخرج، فأتم بـ (السويرة) ، ثم بدا له فرجع. وقد تعتريه بعض أحوال تنكر عليه، مع أنها غير منكرة، فقد عمد يومًا بعد قراءة الوظيفة فوعظ الفقراء موعظة طويلة، وأوصاهم وصايا كثيرة، فهموا منها أنه على وشك الوفاة، فلم يستتم كلامه حتى دخل، ثم ماج أصحابه هلعًا، فاتصل كل واحد بمن يعرفهم من أصحاب الطريقة، فتسابق القواد وخلفاؤهم والأغنياء وكل أصحاب الحيثيات الذين أخذوا عنه ليدركوه قبل أن يتوفى، فاكتظت الزاوية وما حواليها، ثم ذهب نهار فنهار، وهو لم يغير حالته في الخروج إلى الصلاة، فتراجع هلعهم حتى أمنوا، فتفرقوا إلى محلاتهم، فقامت بذلك قيامة المنكرين عليه الذين يتحينون الفرص وينتهزون ما عسى أن يؤاخذوه به، لكن العقلاء ليس ذلك عندهم بعجب، فالشيخ خطر له أن يؤدي النصيحة لأصحابه، وأن يوصي كما هو الواجب على كل مؤمن أن لا يبيت إلا ومعه وصيته كما في الحديث. وقد عاش بعد هذه الوصية نحو 25 سنة رضي الله عنه.
أخبرني الفقيه أحمد التاكموتي أنه ذهب إلى المترجم يتطلب منه تلقين الطريقة، فقال له: أوليس أنك كنت على طريقة قبل اليوم؟ فقال له: بلى، فسأله: عمن أخذ؟ فقال له: أخذت عن الشيخ سيدي الحاج علي السوسي. فقال له: إنه يكفيك، ولا تحتاج إلى غيره. فإنه دخل عليَّ يومًا ولم أر قط من له جرءة بسره سواه، فلا يخاف عليه من متسلط.
كان الباشا الحاج التهامي الأكلاوي يحترم الشيخ كثيرًا، على حين أن الشيخ يعلي عليه همته ولا يتردد عليه، ولا يكثر الشفاعة عنده إلا لماما، بل كان لا يتنازل إلى مجالسة أمثال هؤلاء الرؤساء رفعة للهمة وتعلقا بربه في كل شيء، وهكذا اشتغل الشيخ بما يعنيه عما لا يعنيه إلى أن توفي.