فهرس الكتاب
(ولما توفي القائد محمد طلع ابن أخيه الشيخ عبد السلام بن محمد بن علي الجراري إلى(مراكش) معزيًا عن عمه المذكور عند جلالة السلطان مولانا الحسن بن محمد، فصادفه خارجًا بحركة (تافيلالت) عام إحدى عشر وثلاث مائة وألف، فسار معه في ركابه حتى رجع من سفرته، ودخل (مراكش) مظفرًا منصورًا، وبها أخذ ظهير القيادة على (أولاد جرار) فرجع مستبشرًا فرحًا مسرورًا، فساعدته الأقدار والسعادة الأبدية بين قبائل (السوس) لأنهم، أي: السوسيين، وقتئذ، لا تلين قناتهم لأحد، ولا للغامز فيهم حكم ولا رشد، ثم عالج الوقت وسار في قومه وعشيرته بسيرته الحميدة، وكان له محل في الحلم لا تقلقله الجبال، كبير الهمة، متواضع لله، مع ما انضاف إلى ذلك من الشجاعة والإقدام في محل الخطر مما ليس لغيره، تراه عند النائبات إذا احمر الوطيس واشتد هيجان الحرب كأنه جبل راس وحصن يأوي +الله الضعيف والخائف، لا يتزحزح عند طوارق (1) البارود، ولا يروعه شخير الخيول عند الاصطلام في ساعة تذوب فيها القلوب والألباب، ينثال إليه الناس من كل جانب، ويقصدونه في المهمات لمئاربهم، ويقضون منه العجب في الحلم والصبر، وكان لا يألو جهده في إقامة شعائر الدين يدافع عن قبيلته، ويجلب لها المصالح، ولا ينالها ضيم، مع توسطها بين قبائل العدو، أحاطوا بها من كل جانب، وله رأي وحزم وعزم في تدبير الأمور وإصدارها أحسن إصدار، يحب العلم وأهله، ويعظم أهل البيت، ويهش في وجوه الغرباء والمساكين المنقطعين، وكانت داره، رحمه الله، دارًا واسعة للنزول وللضيوف، لا يحتاج قاصدها إلى مرشد ودليل، فإذا وصل القاصد إلى باب داره دخل بلا سؤال إذن لرب المنزل، بل يدخل كأنه داخل لمنزله يربط بهيمته، ويعطي لها التبن من أهرائه؛ لأن أهراءه لا قفل عليها، بل هي مفتوحة أبدًا في مثل حقه يقول من قال:
يغشون حتى ما تهر كلابهم * لا يسألون عن السواد المقبل
(1) يعني: طلقات الرصاص.