فهرس الكتاب
(ومنهم: الفطن الخفي اللوذعي الذكي الذي مجالسه تحف، ومحاسنه طرف، القائد إبراهيم بن عدي بوفوس البوياسيني الأخصاصي، كان، رحمه الله، رجلًا ظريفًا حكيمًا ألوفا جوادًا صحيحًا، وبمروءته شحيحًا، جاوزنا معه أيامًا عدت من العمر غرة، ومن الزمان غرة، لا يناوشنا زيد ولا عمرو ولا يناوئنا حين ولا دهر، طواجين ممتلئات بالفراريج وقصائع(1) يلمعن ويتبعن بالمقاريج إلى كست (2) ذكي وعنبر شهي، مع أنواع المراش وزرابي فوق الفراش، وموانسة تنسى العقيلة، وإن كانت مع خصرها أسيلة، فوجب عليَّ أن أمدحه، وأذكر فضله وأشرحه، فتبًا لذا الهم المشت والزمان المِهت (3) ، لا يصطنع لجواد ولا يراف لخراد (4) ، جرد له سيف العدوان، وجر عليه ذيل النسيان بعد ما كان للمجلس فانوسه، وللحال به ما نوسه، حديثه أحلى من الضرب يشوقه العجم والعرب، وقد حكى لنا مرة عن امرأة عندهم أضلها أبو مرة، قال: قالت: إن الناس رأوا ما بأيدينا فظنوا أن الله هو الذي أعطانا، إنما هو (تيباسكارين) (5) لنا ولأولادنا، فحين تناقض مع القائد سعيد الكيلولي وتخلف عن حضرته مؤذنًا بمنابذته أرسل إليه ليؤمنه من عده حبائل مكره لا مأمنه، وقلبه للغدر مكمنة، على ما أخبر به من ائتمنه القائد محمد بن أحمد بن حسون التزنيتي، والقائد عبد السلام الجراري، والقائد عدي البعقيلي، فنزلوا عليه في داره، فقالوا له: جئناك مؤمنين من الكيلولي وقد أعطانا عهد الله أن لا يضرك، فقال لهم: تفعلون ماذا إن ضرني؟ قالوا: ظننا أنه لا يضرك، فقال: وإن ضرني؟ فقالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال لهم: إن أسدًا كان في أجمة، فتعاهد مع
(1) كذا جمع قصعة.
(2) عود يتبخر به.
(3) هته: مزقه. والمهت بكسر الميم: المبالغة في الكثرة.
(4) جمع خريدة: المليحة.
(5) كلمة شلحية معناها: الحيل.