الصفحة 8520 من 9223

وعند باب ( القصبة) ترجل صاحب الترجمة، ومشى بين يدي سلطانه إلى قصره الميمون، فتلقته عند الباب الأشراف والعلماء والطلبة والنساء والصبيان بالحليب والبيض والرياحين (1) وأنواع الأزهار وأزياف الحرير تروح عليه من بعد، على عادة أهل القرى السوسية. فلما استقر به المحل وطاب به المجلس قدم صاحب الترجمة لسلطانه ورجاله وأهل ركابه من الوزراء والحجاب وأكابر الدولة ما كان أعده لهم من مفاخر الأطعمة وأنواع الأشربة، مما يناسب حضرة الملك العلام، وما يناسب الحضرة ومن حل بها من الضيوف الكرام، فلما فرغوا من المأكل والمشرب هيأ لهم آلة السماع والطرب، فهناك قام السلطان بنفسه وعلق لصاحب الترجمة وسامًا بيده المباركة، فاهتز لذلك صاحب الترجمة وخر لسلطانه جالسًا خاضعًا، وقال له: يا سيدي، أنا مربى نعمتك، وخديم طلعتك ومنتك، فلا أطلب من

سيدي إلا الدعاء لي ولأولادي بخير وصلاح، فدعا له السلطان المذكور بالخير والصلاح والبركة، وعند الساعة الخامسة من يومه ركب سيارته، هو ومن معه، فرجع عوده على بدئه لـ ( تيزنيت) ، فغادر المحل وهو عليه يبكي، فبات بـ ( تيزنيت) إلى الصباح، وكر راجعًا لوطنه الشريف، لا جعلها الله لآخر العهد به، وقد مدحه بعض العلماء بقصائد من الشعر، فلم يتفق لهم إيصالها إليه في تلك الساعة، فبقيت القصائد بأيديهم، فمن ذلك قصيدة لوالدي السيد الحبيب بن علي السكراتي حفظه الله، ونصها:

ألا مسعد يطفي الغرام وينصف * فيقطع من هجرانها ما تسوف

فتاة غدا في لحظها الموت كامنًا * حذار فرشق من سهامه متلف

أثار الهوى العذري كامن حرها * وحر الهوى العذري ليس يكيف

يقارع جيش الهم من هي جنده * وجيش الهوى القوي المظفر يعرف

(1) المعتاد في الحواضر من قديم التلقي بالتمر والحليب. ورأيت هؤلاء يزيدون على ذلك البيض. وقد رأينا في (درعة) أنهم يتلقون أيضا بالفصة المعلومة ثم صار اليوم التلقي بطاقات الأزهار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت