الصفحة 8533 من 9223

وقد نفت عنه مباراة الرجال ومجاراتهم شجاعته وإقدامه في الحروب، وصدق عزيمته وكرم أصله، فلا ننساه يومًا كثر فيه الضرب والطعن، وفشا فيه القتل، فأقر الله به عيون بني عمه وعشيرته في ذلك اليوم، وفازوا فيه بمنيتهم، وظفروا ببغيتهم من قهر الأعداء، يومًا بـ (رأس الطرف) وما أدراك ما (رأس الطرف) حشد فيه القائد باقا جنوده وعساكره وقبائله وقصد بلاد (أولاد جرار) فكان ملتقى الجمعين بـ (رأس الطرف) فحضرها صاحب الترجمة، فجعله أصحابه حاجزًا بينهم وبين أسنة العدو، ونصبوه في نحور عدوهم، فاقتحم القتال، وناجز الأبطال في أشد حال، تقلص الشفاه فيه عن الأسنان من شدة كلوح الأبطال، فلما رأى جمع أعدائه قد أقبلوا نحوه، وحض بعضهم بعضًا على صدق قتاله وقد عرفوه، عطف عليهم لقتالهم غير مذمم، فلم يزل يرمي الأعداء بنحر فرسه، حتى تلطخ بالدم، فمال إليه فرسه من شدة ما لقي من رماح العدو في صدره، فلو كان يعلم الخطاب لاشتكى إليه مما يقاسيه ويعانيه (1) فحمل على عدوه، وشفى نفسه ونفى غمه، فلما ثبت لها ثبوت الجبل الراسي، كانت أبطال العدو تكره نزاله لفرط بأسه وصدق مراسه، فكانت مراميهم لا تؤثر فيه ولا تقدح في عزه، ومن بحث عن الحروب التي كانت تكون بين صاحب الترجمة وبين أعدائه وجد قتلاهم لم يثأروا بها، وقتلاه قد ثئر بها، فكانت قتلاهم أمواتًا وقتلاه أحياء حين لم تذهب دماؤهم هدرًا، ومن استقصى ما جرى بينه وبينهم تبين له المذنب من البريء والسقيم من الصحيح، والحاصل أنه يشتد ثباته عند الحوادث الحربية، ولا يضعف عند الدواهي القوية.

(1) هذا حل لقول عنترة في معلقته:

يدعون عنتر والرماح كأنها * أشطان بير في لبان الأدهم

ما زلت أرميهم بثغرة نحره * ولبانه حتى تسربل بالدم

فازور من وقع القنا بلبانه * وشكا إلي بعبرة وتحمحم

لو كان يدري ما المحاورة اشتكى * ولكان لو علم الكلام مكلمي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت