الصفحة 8534 من 9223

ولما كان الاعتراف بالجميل من الواجبات، قمت وسطرت هاته الكلمات وإن لم آت فيها بقليل مما تستحقه هذه الهمم العاليات، فإن حفظ الصنيع وحسن المعاشرة مع هؤلاء الهمم الساميات والنفوس الأبيات من أوجب الفروض، تراني لست بقادر على أن أقدر قدرها وأوفيها حقها، ولو استعرت البحر مدادًا لنفدت مياهها قبل أن ينفد ما يستوجبه جميل فعلهم من الشكر، وإننا، والحمد الله، حُزْنا الشرف الأعلى، وفزنا بالقدح المعلى، بالسبق لهذه الضالة المنشودة، وبلغنا الغاية المقصودة، ونافسنا فيها أقرانًا، وسابقنا بها أبطالًا وفرسانًا، وبادرنا بتحرير هاته الكلمات لننشر ألوية السرور، وقد علمنا، والحمد لله، أن نداءنا لم يذهب أدراج الرياح، بل صادف آذانًا صاغية، وقلوبًا للخير واعية، فبعد أن طالع بعض المحبين ما ألف في هذا التقييد فاستحسنه، ووقع عليه إقبال كبير، إذ جاءنا من كل جهة وناحية من يطلبه لينظره قبل أن يتحرر، فاستعذرنا بعدم الإتمام، وقد نفينا عنه ريب المريب، فجاءت، بحمد الله، معانيه صحيحة، ومبانيه فصيحة، تصدينا فيه لنشر محاسن الرجال، ونفي الخبائث عنهم بكل حال.

تالله لا يحمدن المرء مجتنبا * فعل الكرام وإن فاق الورى حسبا

وكان دائمًا يصبو إلى الحرم الشريف لتأدية فرضه، ويتمنى أن لا يحرم من زيارة تلك البقاع المطهرة، والتمتع بتلك المشاهد الشريفة المنورة، فلما كان شوال من سنة خمسة وأربعين وثلاث مائة وألف عقد لزيارتها رحلته وقصد فريضته، وتجهز مع بعض أصحابه والعبيد صحبته، فلما وصل إلى (مراكش) تقلب له المجن ظهرًا لبطن، فرد إلى داره محل عزه ومستقره، وله محبة عظيمة في آل البيت، ويضع الدواء موضع النقب، نامت الرعية تحت ظل أمانه، ووريف سلطانه، فليست لذة النفوس الحقيقية في أنواع الترف والراحة الجسدية، فلا يكمل الإنسان إلا بارتشاف كئوس العلم والأدب، الكافلة بكل خير، والمشاهدة أكبر دليل وسبب).

إلى أن قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت