الصفحة 8535 من 9223

(والقائد عياد هذا من أكبر قواد المغرب وأعظمهم منزلة، وأكبرهم شأنًا وقدرًا، وأعلاهم همة وفخرًا، وكان كثير الشكر على نعم الله عليه الضافية وآلائه الوافية، وحقًا بأن المراتب توضع على قدر الأفكار، وقد كان من أعقل الناس وأشجعهم، ذا عزيمة ورأى مشيد، أدبته الحكمة وأحكمته التجارب، ولم تفترعه النوائب، وما تزاحمت العقول في أمر مستور إلا كشفته فطنته وأبانته عبارته، وقد كان طول أيامه يلتذ بالعلم

ومجالسة العلماء، تأخذه عند ذاك عزة وتنشطه هزة برعاية تامة وعناية كاملة، إذ رواية العلم كثيرة ورعايته قليلة، وقد كان نصب نفسه لهذا الشأن العظيم والفخر الجسيم، بقصره المنيف مع أعيان علماء وقته، دأبًا في كل سنة يتصدر لسرد حديث البخاري في شهر رمضان، ويستحضر عليه شرح العيني وبعض الهوامش عليه، ويختمه في كل سنتين مرة واحدة حتى صار غالب حديثه عنده محفوظًا).

إلى أن قال:

(وقد تغيب(1) هذا الرجل في آخر سنة ستة وخمسين وثلاث مائة وألف بأمر مخزني عن وطنه الشريف، وتغرب عن حبائبه وأجلة مجلسه المنيف، تبكي عليه أندية العلم، تبكي عليه العلماء، تبكي عليه الفقراء، تبكي عليه الخيل العتاق التي أعدها للسباق، تبكي عليه الأزهار والرياضات والقبب والحمامات، تلك، والله، السيادة، أورى في الخيرات ناره، وحمى جاره ومنع ذماره وأدرك ثاره، أفرشنا مجالسه وأخدمنا نفائسه، وبذل المال بلا سؤال.

(1) يعني: يوم نفي عن داره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت