الصفحة 8539 من 9223

المسترفدون، فعريت الرواحل، وأقفرت من القوافل الجواد والسواحل، وأفل نور من سماء المعالي وهاج، ونطفًا من ساحات الأمجاد أي سراج، فجردت السدف أذيالها (1) وصالت دياجي الهموم صيالها، من كان يحسن مصالها، ويحطم آلالها (2) ، ويكسر نصالها، ويحمل عليها في مقانب (3) تجلو كل تلك الغياهب، أهكذا يهلك الكرام؟ ويموت العظام؟ وتفقد الأرض رواسيها؟ وتحرم الحوادث الجلى آسيها؟ فقد كنا عرفنا القائد عيادًا في أبهته وروعته وصولته، ونتيقن منه ألف همة وعزيمة، ونراه في قومه أعز من جذيمة، يقول فينقاد الكل لما يقول، ويرى فيكون رأيه من أعجب ما تراه العقول، ويعزم فتسهل الحزون، ويصول فيدير كما يشاء الحرب الزبون، تردد الأنحاء صدى صولاته، ويرتعد حتى الأباعد فرقًا من عركاته، فنال من المجد الصميم والفضل الجسيم ما يعنو إزاءه كل عظيم، فإذا به اليوم كأن لم يكن بالأمس، وكأن لم يشر إليه قط بالخمس.

بنيه الأعزاء وكل آل (تالعينت) الكرماء وكل من ضمه ذلك المجلس الحافل من الأدباء والعلماء، ما نحن وأنتم وحدنا من أصيب بهذا المصاب الجلل الذي دونه تمزيق الظبا وطعن الأسل، بل أصيبت به أيضًا المعالي والمكارم والصواهل والصوارم، والوغى إذا حمي الوطيس والتحمت الكراديس بالكراديس، وحسن السياسة عند اختلاف الآراء، ورباطة الجأش لدى ارتجاف العقلاء، والعزوف عن ورد أي منهل، يتوهم فيه لذي شرف زلل، فهذا المصاب هو مصاب الناس والشمائل، والفواضل والفضائل، والبسالة النادرة، والحلم الحاضر حين يتخوف من بادرة وريحية الكرماء ومحبة العلماء.

(1) السدف: جمع سدفة، أي الظلمة.

(2) الآل: جمع آلة بالكسر: الحراب.

(3) المقانب: الجيوش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت