فهرس الكتاب
إذا وضع الراعي على الأرض صدره * فلا بد للمعزى بأن تتشتتا
وهو، أيضًا، كما قيل:
فلا هو في الدنيا يضيع نصيبه * ولا غرض الدنيا عن الدين شاغله
لا ينبه بالحصا، ولا تقرع له العصا، شديد الغيرة على الدين، إلى مناقب يطول بنا شرحها، فحدث عن محاسنه ولا حرج، له نصيب في العلم والفهم والأحكام الشرعية، وأوقاته كلها في حيز العمارة، يرى ملاقاة الناس والإكثار منها مفسدة، لا يدخل الأسواق ولا المحافل، ولا يرى في محل التهم في صغره فضلًا عن كبره.
وإذا الفتى بلغ السيادة في الصغر * لا بد يبلغ كل خير في الكبر
يخفي محبته لمن يحب، ولكن مخايلها تظهر في أفعاله، وقد يعرف الرجل من فعله لا من كلامه، وتعرف محبته من عينيه لا من لسانه، ويسرع في قضاء حوائج الثقلاء أكثر مما يقضيها للظرفاء، إلى ما جمع من الأوصاف العالية، قلما تزنه بميزان، أو تحكم عليه بحال، ومع ذلك كله فهو محبوب الطبع، لا يمل مجلسه، تواق للعلم الشريف، بقصره المنيف، لا يخلو مجلسه
من كتب العلم والمذاكرة فيها، وكان إذا مل يقوم بنفسه حتى يأخذ بيده الكتاب المسرود من السارد، ويقول: روحوا علينا بشيء من حكايات أهل الخير والفضل، وكانت تعجبه النوادر والحكايات، وقد قيل:
قل للمحاول رتبة * من غير كد ذا محال
ولا ينال العلم براحة الجسم، بل بالعناية التامة، والملازمة والبحث عنه والنصب، والصبر على الطلب، له نفس أبية، وهمة عالية، مع نجدة وإقدام مع ستر العفة والصيانة، ولا يقتصر في أموره على التقليد بل ربما أبدا وأعاد بما عنده من الفهم، مع تمكنه من آلته ببسط الأدلة والتوفيق المزيد والتصويب المؤيد بالتسديد.
(إلى أن قال) :