فهرس الكتاب
محمد بن ويساعدن السوسي السكتاني، الولي الصالح الزاهد الجواد الكريم، كان، رضي الله عنه، ربانيًا يربي الفقراء تربية حسنة، ويرد عليه من الفقراء والمساكين والضعفة ما لا يحصى عددًا، ويأكلون كلهم ويشربون في هناء وبسط، مع كون البلد ضيقًا، وربما توالت القحوط عليها، وذلك بعد رجوعه من السياحة، ويكون في زاويته تسع مائة طالب مترتبين للقراءة ويكسيهم (1) وغيرهم أنواعًا من الثياب، ويفرق الأموال الجزيلة، ولا يرد أحدًا قصده خائبًا قط، ولا يدخر من الدنيا شيئًا، ولا يختص بشيء دونهم، ولا نظير له في هذه البلاد فيما ظهر لنا في رفض الدنيا وشبهتها في الناس، حتى ظن بعض جهلة الطلبة أن ذلك بسحر، وتقليب عين الرماد وغيره دقيقًا، فكتب قراطيس فدسها مع رجل يرمي بها في قدور الطبخ، فجاء بها مختفيًا، فخرج إليه الشيخ، فقال: ارمها فيها. فرمى بها في القدور، ثم أقبل على الرجل بعد قليل فقال له: أترى ما يجمع من رماد هذه القرية كلها يبلغ ما ترى هناك من الدقيق غرائر وأوسق؟ فقال: لا. فقال له: قل لصاحب قراطيس: يقول لك (فلان) : هات أنت وأطعم المساكين من الرماد أو من التراب. ثم قال: والله، لو أن السماء عاد سقفها حديدًا، وعاد وجه الأرض رمادًا، لما انقطع فضل الله الذي أعطانيه. وتكلم الفقهاء يومًا بحضرته فيمن يقطع المسافة البعيدة في يسير الزمن وفي طي الأرض، وفي كونها خطوة واحدة لبعضهم، فقال لهم، رضي الله عنه: هذا ليس بعجب عندي، إنما العجب عندي الذي يسير في مقدار شبر مدة عمره فلا يقطعه. فقام عنهم، فتعجبوا ولم يفهموا، فأتبعه بعضهم فسأله، فقال له: شبر البطن، ففيها تستغرق الأعمار المتطاولة فلا تبلغ غايتها. وكان له، رضي الله عنه، بالضعفاء والمساكين رأفة تامة وشفقة عامة، يتفقد أحوالهم، ويتعاهد مرضاهم، يميط عنهم الأذى والأوساخ، ويدهنهم بالحناء وغيرها، ويقول: من لأصحاب المسوح والأوساخ من بعدي؟ ولما قرب
(1) يقال: كساه يكسوه ويكسيه.