فهرس الكتاب
قال: فبقي الأمر كذلك أزيد من سنة، لا يصل إلينا شيء من فاس إلا بقوة أو بحيلة، كما فعل المنابهي مرة، إذ استدعى البرابر وطلب منهم أن يوصلوا بالكراء مئونة إلى من في تازة وفي قصبة مسول، التي نحن فيها، فملأ أمامهم الأواني بالغريبة وبكعب الغزال وأمثالهما، فلما ناموا على أن يبكورا إلى السفر عمد إلى المصرورات من ذلك، ففتحها وملأها بالمال إلا ما يجعله في أعاليها من ذلك سترا وتغليطا، فلما أصبحوا حملوا ذلك على أنه طعام، فأوصلوه إلى أماكنه وهم لا يشعرون، فنفع الله به أيضا مدة، وبهذه الطريقة يبض علينا أحيانا ما ينقع غلتنا بعض النقع.
قال: ثم جاء الأمر بأن نرتحل من القصبة ومن تازة، فإن قدرنا أن قطع من هناك إلى فاس فعلنا، وإلا فلنذهب إلى وجدة حيث ستلاقينا السفن لتحملنا إلى المراسي الأخري، فاخترنا أن نتوجه إلى وجهة وجيدة، وهكذا أمضينا ما أمضينا في مكاننا هذا، وقد تيسر لنا بعض المعاش، على حين أن من في تازة لا يزالون دائما في ضيق، ثم إننا لم نجد ما نحمل عليه الأثقال لما عزمنا على الارتحال، فقد ماتت البهائم التي كانت عندنا كلها بالجوع ؛ لعدم التبن أو الكلا، فصرنا نوقد النار في المتاع الذي معنا أسبوعين، وتلك عادة الحرب، تقضي بإفساد ما يخاف أن ينتفع به العدو، وقد غادرنا هناك كثيرا من السلاح الذي لم تسمح نفوسنا بأن نفسده بأيدينا، ثم وصل إلينا من في تازة فباتوا معنا حتى انتعشوا بما وجدوه عندنا من الحبوب، ثم