فهرس الكتاب
خمسة خمسة ويوقعهم أمام المدفع ويطلقه عليهم، وقال بكر إلينا يوما مع الفجر زاحفا فقمنا إليه، فظلت الحرب بيننا وبينه إلى ما بعد المغرب، وقد حزرنا من معه بأكثر من ثلاثين ألفا خيلا ورجلا، وقد التف هذا اليوم حوله كل من انضاف إليه من غياثة إلى الريف، فوقف اليوم بنفسه يقدم القبائل، ويعين الفرسان، ويتبين مواقع الضعف من بين أصحابه، فيرسل إليها من يسدها، فلما نزل الظلام، وانقطعت الحرب بيننا وبينه، وقد تواقفنا النهار كله، ظننا أنه لا يزال مرابطا علينا، فخفنا أن يهاجمنا في الليل، فدسسنا إلى جهته من رجع، فأخبرنا بأنه لا أثر له، وإنما صار وجه الأرض حوالي موقفه مكسوا كله بالقتلى والجرحى، والخيل الميتة والمنكسرة، قال: فذهبت إلى صاحب ذخيرة الحرب فسألته عن الباقي في الخزانة، فقال: إن اليوم أتى على كل ما عندنا، فكنت أعطي إلى كل من آتى إلي بلا حساب، لأنه لم يكن في إمكاني إلا ذلك، فلم يبق إلا ستة عشر صندوقا قال: فدهشت وقد علمت أن القرطاس لم يطلق كله على الأعداء، بل خبئ بعضه عند الجند ليبيعوه من الغد للقبائل ليتوصلوا منهم بما يقتاتون به، لأن الضيق والفاقة قد بلغا بهم الغاية، وقد انقطعت عنا المئونة من أزمان، وقد تمر ثمانية أشهر فلا نتوصل إلا بمئونة شهر، وقد نعطي عن هذا الشهر أكياسا من السميذ يحسب علينا في ثمنها كل ما سنتقاضاه، فيريد أحدنا أن يبيعها ليقضي بثمنها بعض أغراضه، فيشتريها منه نفس من دفعها إليه بنصف ما حسبها به عليه، وربما يردها علينا هي نفسها في حساب آخر، بضعف ما أخذها به منا، وهكذا دواليك، قال: فستخرجنا تلك الصناديق الباقية من القرطاس، فاستدعينا القواد، وسألنا كل واحد عما مات من خيله ورجله، فلما قيدنا ما قال: كل واحد منهم، أمرنا بحفر الخنادق حول المحلة، ووضعنا متارس وراءها تحصينا لموقعها، ثم عمدنا إلى التقييد لنرسله إلى كبير محلتنا عبد الرحمن بن عبد الصادق الذي آوى إلى ميليلة فيتصل بنا