فهرس الكتاب
فدهمنا المشهد، ولما أردنا أن ندخل إليه من الباب، أطلق علينا أولئك الغلمان النار فقتل واحد منا، فإذا بأصحابي انتشلوني بأيديهم من أمام الباب وهم يقولون: كأنك لا تريد دائما إلا أن تموت، فأبعدوني عنه، فرغنا إلى ناحية فاقتحمنا المكان وأوقدنا حوله النار، وقد كان غير مقبول كالعادة، وإنما هو مسقف بأعواد فوق الجدران المرفوعة، ثم على الأعواد تراب، فشبت النار في السقفـ فلما اشتد الدخان على أبي حمارة اندلق من المحل، فانقضضنا عليه، فكنت أنا أول من لمسته يده، معي القائد العربي الذي هو الآن قائد المشور في القصر الملكي حرسه الله، ومعنا القائد البخاري من قواد جندي، فنزعنا منه الخنجر أولا من تحت إبطه والمسدس، والتمائك المخيطة بخيوط الذهب الحقيقي وهي الخفان اللذان يلبسهما الفارس، فأدخلت يدي لأنظر هل على جسده ما يقال لنا من التمائم، فلم أجد شيئا، ثم أخرجناه، فإذا بالجند قد دهموا علينا ينتبهون كل ما في بناية المشهد، وليس في المكان من الناس إلا نساؤه وجواريه وخدمه، والبناية متسعة تسع عشرات من الناس وقد كان جيشنا وصنا إذ ذاك بقضه وقضيضه، فكان كل من وصلنا يضع على الثائر يده ويقول يا ناجم هل أنا الذي قبضت أبا حمارة، فأقول له نعم يا سيدي، أنت الذي قبضته، أدري الناس بذلك لئلا يغلبوني عليه فيقتلونه، وقد ازدحم علينا الناس حتى صار مرفوعا فوق الأكتاف، وأصحابي يدافعون عنه، فكاد يختنق، وقد أضر به العطش، فصار ينادي: يا ناجم أغثني بشربة ماء، فقد كدت أموت عطشا فالتفت إلى القائد العربي هذا الذي في القصر الملكي الآن، فأمرته أن يأتيه بالماء، فأتى بقلة ماء لا بأس بها فأعلاها يصب الماء في فيه، فمن الماء ما يصل فاه، ومنه ما يسيل على أكتاف الناس المتزاحمين، ثم أمرت جنديا معي أن يأتي ببغلة،، فوقف معي القائد محمد بن الجيلاني، وقد بلغ مني الإعياء مبلغا عظيما، فأركبناه عليها، وأردفنا وراءه القائد البخاري، وهو رجل من