الصفحة 179 من 303

أمَّا من أمسك الله عنه ، وأسبل عليه رداء العافية ؛ فأعطاه المال ، والولد ، وهيأ له الجاه مع أنَّه مقيمٌ على معصية ؛ فذلك ربما كان دليلًا على أنَّ الله أراد به شرًا ، وجمع له العقوبة في الآخرة ، والعياذ بالله ، وفي الحديث الأخير (( إنَّ عظم الجزاء مع عظم البلاء ) )يعني أنَّ الثواب الجزيل ، والأجر الكثير يكون على من ابتلي ابتلاءاتٍ فصبر ؛ ألم تسمع إلى ربك وهو يقول: { وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلماتٍ فأتمهنَّ قال إنِّي جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين } [ البقرة: 124 ] وأثنى عليه ربه في قوله: { وإبراهيم الذي وفى } [ النجم: 37 ] ذلك أنَّه كان مؤمنًا وحده ، فكسر أصنام قومه ، فحكموا عليه بأن يلقى في النار ، فصبر فجعل الله النار عليه بردًا وسلامًا ، وخرج مرفوع الرأس ، وابتلاه الله بفراق والديه وأهله فصبر وهاجر ومع ذلك ابتلاه الله بعدم الولد فصبر ، ثمَّ حصل له إسماعيل ، فابتلاه الله بأن يضعه في تلك الجبال القاحلة فصبر وبتركه هناك فصبر ، فلما بلغ معه السعي ابتلاه الله بأن أمره بذبحه فصبر ؛ نجح في كل هذه الابتلاءات وغيرها ، ونحن يقدر الله علينا بعض المقادير فيتسخط الواحد منا ولايصبر لبلاء ربه ؛ اللهمَّ اجعلنا ممن يصبر عند البلوى ، ويشكر عند النعماء ، ثمَّ قال: (( وإنَّ الله تعالى إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم ) )اختبر صبرهم (( فمن رضي فله الرضى ، ومن سخط فله السخط ) )أي من رضي بقدر الله رضي الله عنه ، ومن تسخط من قدر الله سخط الله عليه نعوذ بالله من سخط الله وعقيدة أهل السنة والجماعة أنَّ الخير والشر كلاهما مقدَّرٌ من الله ، ولكنَّ الشرَّ لاينسب إلى الله عز وجل ؛ بل ينبغي نسبته إلى مجهول كقوله تعالى: { وأنَّا لاندري أشرٌّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا } [ الجن: 10 ] أو إلى نفس العبد كما في قوله سبحانه وتعالى: ما أصابك من حسنةٍ فمن الله وما أصابك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت