وقوله جلَّ وعلا: { وقضى ربك ألاَّ تعبدوا إلاَّ إياه } المراد بقضى: حكم أي حكم حكمًا شرعيًا بألاَّ يعبد الناس إلاَّ إياه . أمَّا القضاء الكوني فتقع فيه المخالفة لهذا القضاء أي للقضاء
الشرح الموجز الممهد لتوحيد الخالق الممجد
الشرعي فالله سبحانه وتعالى قضى وجود الكفر والشرك كونًا ومنعه شرعًا ، فهذا القضاء الذي أخبر الله عنه في هذه الآية المراد به الأمر ، وهو يوافق قوله سبحانه وتعالى: { إن الحكم إلاَّ لله أمر ألاَّ تعبدوا إلاَّ إياه } [ يوسف: 40 ] أي بأنه أمر أمرا شرعيًا بعبادته وحده دون سواه ، وهو التوحيد الذي بعثت به الرسل .
ثمَّ قال: { وبالوالدين إحسانا } أي إحسانًا إليهما لأنَّهما أحسنا إليك أيها العبد ، والكلام على بر الوالدين وطاعتهما يأتي بعد الأمر بتوحيد الله سبحانه وتعالى لأنَّه هو المنعم المتفضل وأعظم الناس عليك نعمةً بعد الله هما والداك اللذان ربياك ، وأنعما عليك بالراحة ، والسكن في حضنهما ، وتعبا من أجلك ، وسهرا لراحتك ، وفي الآية الأخرى وهي آية النساء: { واعبدوا الله ولاتشركوا به شيئا } فهنا اقترن الأمر بالعبادة بالنهي عن الشرك حتى ولو شيئًا يسيرا فقوله: { ولاتشركوا به شيئا } نهيٌ عن الشرك كله قليله وكثيره ؛ صغيره وكبيره ؛ لأنَّه نكره في سياق النهي فهي تعم .
وقوله تعالى: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } إلى قوله: { وأنَّ هذا صراطي مستقيما } فهذه الآيات وغيرها قد تواردت على الأمر بالتوحيد ، والنهي عن الشرك ، وهذا هو ما بعثت به جميع الرسل من أولهم نوح إلى آخرهم محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - فالمناهي العشر التي وردت في آخر سورة الأنعام أولها الشرك بالله ، والشرك عظيمٌ ؛ لأنَّه محرم على صاحبه دخول الجنة ، ومحتَّمٌ عليه دخول النار والخلود فيها .