فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الجواب: نحن نسلم بأن من الاختلافات ما يكون سببه عدم وجود النص ولكن من العجيب أن يقرر السيوطي هذا القول فإنه يفهم منه أن الاختلاف ليس له إلا سبب واحد وهو عدم ثبوت النص مع أنه من المعلوم أن هناك اختلافات كثيرة لم يكن سببها عدم وجود النص بل كان عدم وصوله إلى الإمام الذي قال بخلافه أو أنه بلغه ولكن من طريق لا تقوم الحجة به أو بلغه صحيحا ولكن فهمه على وجه غير الوجه الذي فهمه الإمام الآخر وغير ذلك من أسباب الاختلاف التي ذكرها العلماء فالاختلاف ليس له سبب واحد. بل له - كما ترى - أسباب كثيرة ألا ترى أن هناك مسائل كثيرة اختلفوا فيها مع أن فيها نصوصا ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم عند العلماء بالفقه والأخبار ولنضرب على ذلك مثالا واضحا إلا وهو (رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه) فقد اتفق العلماء كلهم من مختلف المذاهب على مشروعيته ما عدا الحنفية مع أنه ورد فيه نحو عشرين حديثا صحيحا وفي بعضها أن أبا حميد الساعدي رضي الله عنه وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بحضور عشرة من الصحابة وذكر فيه الرفع فلما فرغ من وصفها قالوا له:"صدقت هكذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم". رواه البخاري
وقد أجاب أبو حنيفة رضي الله عنه حين سئل عن عدم أخذه بالرفع بقوله:"لأنه لم يصح فيه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"في حكاية معروفة جرت بينه وبين أحد المحدثين ذكرها الحنفية في كتبهم فهذا القول من قبل الإمام أبي حنيفة رحمه الله لا يمكن أن يقوله لو أنه وقف على هذه الطرق التي أشرنا إليها فهذا أكبر دليل على أن الخلاف في هذه المسألة ليس سببه عدم وجود أو ثبوت النص بل السبب هو عدم وصوله إلى الإمام من طريق صحيح كما عبر عن ذلك الإمام أبو حنيفة نفسه رحمه الله تعالى وهذا مثال واحد من أمثلة كثيرة معروفة عند المشتغلين بالسنة
أقول: فكما أن الاختلاف في هذه المسألة لا يدل على عدم ورود نص ثابت فيها فكذلك الاختلاف في عدد ركعات التراويح لا يدل على عدم ورود نص ثابت فيه لأن الواقع أن النص وارد ثابت فيه فلا يجوز أن يرد النص بسبب الخلاف بل الواجب أن يزال الخلاف بالرجوع إلى النص عملا بقول الله تبارك تعالى:
؟ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما؟
وقوله: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا؟
الشبهة الثانية
(لا مانع من الزيادة على النص ما لم ينه عنها)
وقد يقول قائل آخر: سلمنا أنه ثبت النص أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى التراويح إحدى عشرة ركعة فقط وأنه ثبت ضعف الخبر الذي فيه أن صلاها عشرين ولكن لا نرى مانعا من الزيادة عليه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينه عنها
قلت: الاصل في العبادات أنها لا تثبت إلا بتوقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الأصل متفق عليه بين العلماء ولا نتصور مسلما عالما يخالفه فيه ولولا هذا الأصل لجاز لأي مسلم أن يزيد في عدد ركعات السنن بل والفرائض الثابت عددها بفعله صلى الله عليه وسلم واستمراره عليه بزعم أنه صلى الله عليه وسلم لم ينه عن الزيادة عليها وهذا بين ظاهر البطلان فلا ضرورة لأن نطيل فيه الكلام خاصة وقد سبق أن بينا مفصلا (ص 22 - 24) أن الزيادة على صلاة التراويح أخرى بالمنع من الزيادة على السنن والرواتب فتذكره
الشبهة الثالثة
(التمسك بالنصوص المطلقة والعامة)
تمسك بعضهم بالنصوص المطلقة والعامة في الحض على الإكثار من الصلاة بدون تحديد عدد معين
كقوله صلى الله عليه وسلم لربيعة بن كعب وقد سأله مرافقته في الجنة
[فأعني على نفسك بكثرة السجود] رواه مسلم في صحيحه وأبوعوانة
وكحديث أبي هريرة رضي الله عنه"كان يرغب في قيام رمضان. ."
ونحو ذلك من الأحاديث التي تفيد بإطلاقها وعمومها مشروعية الصلاة بأي عدد شاء المصلي
والجواب: أن هذا ممسك واه جدا بل هي شبهة لا تساوي حكايتها كالتي قبلها؟
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)