اعلموا رحمكم الله أن أصلي من مدينة ميورقة أعادها الله للإسلام، وهي مدينة كبيرة على البحر بين جبلين يشقهما واد صغير وهي مدينة متجر ولها مرستان ترسي بهما السفن الكبار للمتاجر الجليلة، والمدينة في جزيرة تسمى باسم المدينة ميورقة وأكثر ثمارها زيتون وتين ويحمل منها عام خصابة زيتونها أكثر من عشرين ألف بتية زيت لبلاد مصر والإسكندرية وبجزيرة ميورقة المذكور أزيد من مائة وعشرين حصنا مسورة عامرة وبها عيون كثيرة تشق جميع جهاتها وتصب في البحر وكان والدي محسوبا من أهل حاضرة ميورقة ولم يكن له ولد غيري ولما بلغت ست سنين من عمري أسلمني إلى معلم من القسيسين قرأت عليه الإنجيل حتى حفظت أكثر من شطره في مدة سنتين ثم أخذت في تعلم لغة الإنجيل وعلم المنطق في ست سنين ثم ارتحلت من بلد ميورقة إلى مدينة لاردة من أرض القطلان وهي مدينة العلم عند النصارى في ذلك القطر ولها واد كبير يشقها ورأيت التبر مختلطا برملها إلا أنه صح عند جميع أهل ذلك القطر أن النفقة في تحصيله لا تفي بقدر فائدته فلذلك ترك وبهذه المدينة فاكهة كثيرة ورأيت الفلاحين بها يقسمون الخوخة على أربعة أفلاق ويمقرونها في الشمس وكذلك يمقرون القرع والجزز فإذا أرادوا أكله في الشتاء نقعوه في الماء وطبخوه كأنه طري في أوانه. وبهذه المدينة تجتمع طلبة العلم من النصارى وينتهون إلى ألف رجل أو ألف وخمسمائة رجل ولا يحكم بينهم إلا القسيس الذي يقرون عليه، وأكثر غلات أوطانها الزعفران. فقرأت فيها علم الطبيعات والنجامة مدة ست سنين ثم تصدرت فيها أقرأ الإنجيل وألقنه ملازما لذلك مدة أربع سنين. ثم ارتحلت إلى مدينة بلونية من أرض الأبزدية وهي مدينة كبيرة جدا بنيانها بالآجر الجيد لعدم معادن الحجر عندهم ولكن لكل معلم من أهل صناعة الآجر طابع يخصه وعليهم أمين مقدم يحتسب عليهم في طيب طين الآجر وطبخه فإذا انفلج أو تفرك منه شيء غرم الذي صنعه قيمته وعوقب بالضرب.