فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 68

وهذه مدينة علم عند جميع أهل ذلك القطر، ويجتمع بها كل عام من الآفاق أكثر من ألفي رجل يطلبون العلم ولا يلبسون إلا الملف الذي هو صباغ الله، ولو يكون طالب العلم منهم سلطانا أو ابن سلطان فلا يلبس إلا ذلك ليمتاز به الطلبة من غيرهم. ولا يحكم فيهم إلا القسيس الذي يقرون عليه. فسكنت بها، وبها كنيسة لقسيس كبير السن عندهم بها كبير القدر اسمه نقلاومرتيل وكانت منزلته فيهم بالعلم والدين والزهد رفيعة جدا انفرد بهما في زمنه عن جميع أهل دين النصرانية فكانت الأسئلة في دينهم ترد عليه من الآفاق من جهة الملوك وغيرهم وصحبة الأسئلة من الهدايا الضخمة ما هو الغاية في بابه ويرغبون بالتبرك به وفي قبوله لهداياهم ويتشرفون بذلك فقرأت على هذا القسيس علم أصول دين النصرانية وأحكامه ولم أزل أتقرب إليه بخدمته والقيام بكثير من وظائفه حتى صيرني من أفضل خواصه وانتهيت في خدمتي له وتقربي إلى أن دفع لي مفاتيح سكنه وخزائن مأكله ومشربه وبقي جميع ذلك كله على يدي ولم يستثن من ذلك سوى مفتاح بيت صغير بداخل مسكنه كان يخلو فيه بنفسه، الظاهر أنه بيت خزائن أمواله التي كانت تهدى إليه والله أعلم. فلازمته على ما ذكرت من القراءة عليه والخدمة له عشرا ثم أصابه مرض يوما من الدهر فتخلف عن حضور مجلس قراءته وانتظره أهل المجلس وهم يتذاكرون في مسائل من العلم إلى أن أفضى بهم الكلام إلى قوله عز وجل على لسان نبيه عيسى عليه السلام «إنه يأتي من بعدي نبي اسمه البارقليط» فبحثوا في تعيين هذا النبي من هو من الأنبياء وقال كل واحد منهم بحسب علمه وفهمه فعظم بينهم في ذلك مقالهم وكثر جدالهم ثم انصرفوا من غير تحصيل فائدة في تلك المسألة. فأتيت مسكن الشيخ صاحب الدرس المذكور فقال لي: ما الذي كان عندكم اليوم من البحث في غيبتي عنكم؟ فأخبرته باختلاف القوم في اسم البارقليط وأن فلانا قد أجاب بكذا وفلانا بكذا وسردت له أجوبتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت