فهرس الكتاب
والمهم أنَّ الله عز وجل ما خصَّ إبراهيم عليه السلام بهذه المزية إلاَّ لما فيه من محبة التوحيد وبغض الشرك ؛ الذي حمله على التفاني في دعوة قومه ، ثمَّ الحوار معهم ، ثمَّ تكسير أصنامهم ، ثمَّ قرارهم لتحريقه ، ورميهم له في النار ، فجعلها الله عليه بردًا ، وسلامًا ، ومع هذا كله فإنَّ الله عز وجل لمَّا بوأه مكان البيت أراه إياه ، وأمره ببنائه ؛ كان ذلك على شريطة نشر التوحيد ومحاربة الشرك: ( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألاَّ تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ( ثمَّ أعاد الوصية مرةً أخرى في هذا السياق مشددًا على الأخذ بها مرةً أخرى ، ومؤكدًا ذلك فقال في الآية 30 من هذا السياق: ( ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلاَّ ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور - حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنَّما خرَّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكانٍ سحيق ( تصويرٌ عجيب لمن وقع في الشرك كأنَّه سقط من أعلى شاهق من قمة جبل ؛ أو من فوق عمارةٍ طويلة من ناطحات السحاب ؛ أو من فوق طائرة في ارتفاع شاهق ؛ أو من السماء المعروفة ضد الأرض ؛ أي أنَّ من وقع في الشرك بالله كأنمَّا سقط من ذلك المكان العالي ، فتخطفه الطير ؛ أو تهوي به الريح في مكانٍ سحيق ؛ بعيد في الأعماق ، وفي هذا التصوير تنفيرٌ عن الشرك ، وتبشيعٌ لصورته ، وإظهارٌ له في هذه الصورة البشعة ؛ التي تشمئز منها النفوس ، ولقد كرر الله عز وجل في هذا المقطع الأمر بالتوحيد ، والتحذير من الشرك تارةً بالثناء على الموحدين ، وذكر صفاتهم ، وعواقبهم الحميدة ، فقال: ( ولكل أمةٍ جعلنا منسكًا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إلهٌ واحد فله أسلموا وبشر المخبتين - الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم