فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 242

في بلاد المسلمين، لأنه أراد تغيير مسارها الطبيعي إلى حيث الجدليات العقيمة، والمخاضات المهلكة، والغياهب المتلفة التي شتتت أفكار المسلمين، وأوقعت بينهم العداوة والبغضاء. فبدل أن ينصرف جميع طلبة العلم إلى تعلم العلوم الشرعية، والعربية، والتاريخية، وعلوم الطب، والهندسة وما إلى ذلك من علوم نافعة تقيم الحضارة، وترفع من شأن المجتمعات، راح الكثير منهم يتخبطون في دراسة نظريات أرسطو، وأفلاطون المظلمة التي تفسد العقائد، وتضل الأذهان.

وقد حكي أن ملوك الروم لما دخلوا في النصرانية جمعوا كتب الفلاسفة من نواحي ممالكهم، ووضعوها في مخازن سرية موصدة كي لا يطلع عليها أحد من الناس، خوفا من فساد المعتقد، وذهاب الدين، لكن يحيى بن خالد البرمكي الفارسي الزنديق أحد وزراء العباسيين طلب من ملوك الروم تلك الكتب فبذلوها إليه، وإلى المأمون من بعده، لا يريدون بذلك إلا إضلال المسلمين، وتحويلهم عن دينهم القويم.

أما العامل الثاني: فيمكن تفصيل الكلام فيه من خلال تقسيمه إلى عدة نقاط، وهي: نوائب التتار، وقواصم الصليبيين، وقوارع الباطنيين، ومهالك العابثين المفسدين، وتبدل دول المسلمين، وحوالك الزمان.

(1) نوائب التتار:

لم ترزأ أمة من أمم الأرض قاطبة بمثل تلك الرّزيئة المهولة التي فجع بها المسلمون عند دخول التتار إلى بلادهم، فقد أهلك هؤلاء الكفرة الحرث والنسل، وعم فسادهم السهل والوعل، وجعلوا مدن الإسلام المشرقية خرابا يبابا، بعد أن كانت آمنة مطمئنة، وعامرة مخضرة، فدمروا عمرانها، ونهبوا أموالها وثرواتها، وقتلوا رجالها، واسترقوا صبيانها، واستحيوا نساءها، وجعلوها كأن لم تكن.

وكان ياقوت الحموي ممن عاين هذه الفاجعة المروّعة، وشاهد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت