فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 242

شدائدها، وعايش وقائعها حيث كان بخوارزم، ولما وصل إلى الموصل هاربا، كتب إلى الوزير في حلب القاضي جمال الدين أبي الحسن القفطي رسالة بليغة طويلة، يصف فيها حاله، وحال البلاد التي عدا عليها التتار، وعاثوا فيها الفساد، ومن جملة ما فيها: « ... إلى أن حدث بخراسان ما حدث من الخراب، والويل المبير والتّباب، وكانت لعمر الله بلادا مونقة الأرجاء، رائعة الأنحاء، ذات رياض أريضة، وأهوية صحيحة مريضة، قد تغنت أطيارها، فتمايلت طربا أشجارها، وبكت أنهارها، فتضاحكت أزهارها، وطاب روح نسيمها، فصح مزاج إقليمها ... وجملة أمرها أنها كانت أنموذج الجنة بلامين، فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ العين، قد اشتملت عليها المكارم، وارجحنّت في أرجائها الخيرات الفائضة للعالم، فكم فيها من حبر راقت حبره، ومن إمام توّجت حياة الإسلام سيره، آثار علومهم على صفحات الدهر مكتوبة، وفضائلهم في محاسن الدنيا والدين محسوبة ... أطفالهم رجال، وشبابهم أبطال، ومشايخهم أبدال، شواهد مناقبهم باهرة، ودلائل مجدهم ظاهرة ... فجاس خلال تلك الديار أهل الكفر والإلحاد، وتحكم في تلك الأبشار أولو الزّيغ والعناد، فأصبحت تلك القصور، كالممحوّ من السطور، وآضت تلك الأوطان، مأوى الأصداء والغربان، تتجاوب في نواحيها البوم، وتتناوح في أراجيها الريح السّموم ... فإنا لله وإنا إليه راجعون من حادثة تقصم الظهر، وتهدم العمر، وتفت في العضد، وتوهي الجلد، وتضاعف الكمد، وتشيب الوليد ... وجملة الأمر أنه لولا فسحة في الأجل، لعز أن يقال سلم البائس ـ (يقصد ياقوت نفسه) ـ أو وصل، ولصفق عليه أهل الوداد صفقة المغبون، وألحق بألف ألف ألف ألف ألف هالك بأيدي الكفار أو يزيدون ... » (1) انتهى.

فهذه صورة وجيزة صادقة عن حال تلك البلاد قبل خروج التتار، وما آلت

(1) وفيات الأعيان 6/ 134 ـ 137.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت