قلت: وفي هذه الآية دلالةٌ أيضًا على أنَّ هذا اللعن صادرٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس من ابن مسعود رضي الله عنه ، وفي باب المستوشمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتي عمر رضي الله عنه بامرأةٍ تَشِمْ ، فقام فقال: أنشدكم بالله: من سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الوشم ، فقال أبو هريرة رضي الله عنه ، فقمتُ ، فقلتُ: يا أمير المؤمنين: أنا سمعتُ ما سمعتَ ؛ قال: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( لاتَشِمْنَ ولاتستوشمن ) )رواه البخاري رقم 5946 قال الحافظ في الفتح ج10 / 377 .
وفي هذه الأحاديث حجةٌ لمن قال:"يحرم الوصل في الشعر ، والوشم ، والنَّمص على الفاعل والمفعول به ؛ وهي حجة على من حمل النَّهي فيه على التنزيه ؛ لأنَّ دلالة اللعن على التحريم من أقوى الدِّلالات ؛ بل عند بعضهم أنَّه من علامات الكبيرة ، وفي حديث عائشة دلالةٌ على بطلان ما روي عنها أنَّها رخَّصت في وصل الشعر بالشعر ، وقالت: إنَّ المراد بالوصل المرأة تفجر في شبابها ، ثمَّ تصل ذلك بالقيادة ، وقد ردَّ ذلك الطبراني ، وأبطله بما جاء عن عائشة في قصة المرأة المذكورة في الباب"اهـ .
قلت: وهذا الأثر المروي عن عائشة في تفسير الوصل من أبطل الباطل ، ومن أمحل المحال بالأخص في زمن الصحابة ، وبيت النبوة ، ولهذا التفسير مفهومٌ سيء يدل على أنَّه موضوع .
وأقول قول الكاتب:"أنَّ احتمال أنَّ ابن مسعود قد سمع اللعن من النبي صلى الله عليه وسلم كما قال ابن حجر ؛ يدلنا على أنَّ وقائع الأحوال يتطرق إليها الاحتمال ، فيكسوها ثوب الإجمال ، ويسقط بها الإستدلال"اهـ