""""""صفحة رقم 123""""""
الروم فسكنها وولد له بها أحمد هذا فنشأ بمدينة برصا ، فكان يقال له: ابن عرب ، على عادة الروم والترك في تسمية من لم يكن منهم عرب ، ونشأ أحمد هذا نشأة حسنة ، ثم قدم القاهرة وتنزل في القاعدة التي استجدها أكمل الدين صوفيا ، وقرأ على خير الدين سليمان بن عبد الله ، ونسخ بالأجرة واشتغل ، ثم انقطع عن الناس فلم يكن يجتمع بأحد ، واختار العزلة مع المواظبة على الجمعة والجماعة ، واقتصر على ملبس خشن جدا وقنع بيسير من القوت ، ومهما اطلع على أن أحدا من الباعة عرفه فحاباه لم يعد إليه ، وكان يتنكر ويشتري قوت يومين أو ثلاثة بعد العشاء ويدخل الجامع من أول النهار يوم الجمعة ، ولا يكلم أحدا في حال ذهابه ولا إيابه ، فأقام على هذه الطريق أكثر من ثلاثين سنة ولم يكن في عصره من داناه في طريقته ، وكان يدري القراآت ، مات ليلة الأربعاء ثاني شهر ربيع الأول ، ومن عجائب أمره أنه لما مات كان الجمع في جنازته موفورا ، وأكثر الناس كانوا لا يعلمون بحاله ولا بسيرته فلما تسامعوا بموته هرعوا إليه ، ونزل السلطان من القلعة فصلى عليه بالرميلة ، وأعيد إلى الخانقاه فدفن بها ، وتنافس الناس في شراء ثياب بدنه فاشتروها باغلاء الأثمان ، فاتفق أن جملة ما اجتمع من ثمنها حسب فكان قدر ما تناوله من المعلوم من أول ما نزل بها إلى أن مات لا يزيد ولا ينقص ، فعد ذلك من كراماته رحمه الله .