قال الطحاوى: وقد يجوز أن يكون النبى، عليه السلام، أمر سُليكًا بالصلاة فقطع خطبته ثم استأنف، وقد يجوز أن يكون بنى عليها، وكان ذلك قبل أن ينسخ الكلام في الصلاة، ثم نسخ الكلام في الصلاة فنسخ أيضًا في الخطبة، وقد يجوز أن يكون ما قال أهل المقالة الأولى ويكون سنة معمولًا بها، فنظرنا هل روى شىء يخالف ذلك؟ فإذا بحر ابن نصر، حدثنا عن عبد الله بن وهب قال: سمعت معاوية بن صالح يحدث عن أبى الزاهرية، عن عبد الله بن بُسر قال: « جاء رجل فتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، فقال له رسول الله: اجلس فقد آذيت » ، فأمره عليه السلام بالجلوس ولم يأمره بالصلاة، وهذا يخالف حديث سليك، وكذلك حديث أبى سعيد الخدرى يدل أن ذلك كان في حال إباحة الأفعال في الخطبة قبل أن ينهى عنها، وقد أجمع المسلمون أن نزع الرجل ثوبه، والإمام يخطب مكروه وأن مسه الحصى، وقوله لصاحبه: أنصت في الخطبة مكروه.
قال الطحاوى: والدليل على أنه كان وقت إباحة الكلام في الخطبة أنه ذكر في حديث أبى سعيد الخدرى: « أن النبى، عليه السلام، أتى بالصدقة فأعطى منها رجلًا ثوبين، فلما كانت الجمعة طرح الرجل أحد ثوبيه فصاح الرسول به، وقال: « خذه، ثم قال: انظروا إلى هذا جاء تلك الجمعة... » ، وذكر الحديث، ولا نعلم خلافًا أن مثل هذا الكلام محظور في الخطبة لقوله عليه السلام: « إذا قلت لأخيك: أنصت والإمام يخطب في الخطبة فقد لغوت » .
ومن طريق النظر، فقد رأيناهم لا يختلفون أن من كان في المسجد قبل أن يخطب الإمام، فإن الخطبة تمنعه من الصلاة، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك من دخل المسجد، والإمام يخطب ألا يصلى؛ لأنه داخل في غير موضع صلاة، والأصل المتفق عليه أن الأوقات التى تمنع من الصلوات يستوى فيها من كان قبلها في المسجد، ومن دخل فيها في المسجد في المنع من الصلاة.
فإن قال قائل: إنما أمره عليه السلام، أن يركع لقوله عليه السلام: « إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس » .