وقال الطحاوى: ولا حجة لمن قال بهذا الحديث؛ لأنه قد يجوز أن يكون ذلك من النبى، والفريضة تصلى مرتين فتكون كل واحدة منهما فريضة، وقد كان ذلك يفعل في أول الإسلام ثم نسخ، وقد ذكرت الحديث بذلك في باب إذا صلى ثم أمَّ قومًا عند حديث معاذ في أبواب الإمامة قبل هذا.
قال المؤلف: وقد روى عن جابر خلاف حديثه هذا المتقدم، روى شعبة، عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابر قال: « صلينا مع النبى، عليه السلام، صلاة الخوف فركع في الصف المتقدم ركعة، وسجد سجدتين، ثم تأخروا، ثم تقدم الآخرون، فركع بهم ركع واحدة، وسجد سجدتين فكانت للنبى - صلى الله عليه وسلم - ركعتين وللناس ركعة ركعة » ، وقد يجوز أن يكون النبى، عليه السلام، صلى على ما روى جابر مرتين على صفتين.
وقد قال أحمد بن حنبل: أحاديث صلاة الخوف صحاح كلها، ويجوز أن تكون في مرات مختلفة على حسب شدة الخوف، ومن صلى بصفة منها فلا حرج عليه، وهو قول الطبرى وطائفة من أهل الحديث.
قال ابن القصار: وحكى عن أبى يوسف والمزنى أنهما قالا: صلاة الخوف منسوخة ولا يجوز أن تصلى بعد النبى، عليه السلام، وقالا: إنما خاطب الله نبيه بذلك، فهو خاص له لا يشاركه فيه غيره؛ لأن في صلاة الخوف تغيير هيئات لا تجوز إلا خلف النبى - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن كونهم خلفه عوض من تغيير الهيئات، وكانت صلاة الخوف ثابتة في الشريعة، ثم نسخت بدلالة تأخيره عليه السلام، الصلاة يوم الخندق عن وقتها إلى هوىّ من الليل ثم قضاها دفعةً، ثم قال: « ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا » ، فلو جازت صلاة الخوف لم يكونوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، وهذا قول شاذ وجماعة الفقهاء على خلافه.
قال الطحاوى: ومما يرد هذا القول قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} [التوبة: 103] الآية، فكان الخطاب هاهنا له، وقد أجمعوا أن ذلك معمول به من بعده، كما كان يعمل به في حياته.