وقال آخرون: ذلك عام فيمن تعمد عليه كذبًا في دين أو دنيا، واحتجوا بتهيب الزبير، وأنس كثرة الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبقول عمر: أقلوا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا شريككم. وقالوا: لو كان ذلك في شخص بعينه لم يكن لاتقائهم ما اتقوا من ذلك، ولا لحذرهم ما حذروا من الزلل في الرواية والخطأ وجه مفهوم، والصواب في ذلك أن قوله على العموم في كل من تعمد عليه كذبًا في دين أو دنيا، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان ينهى عن معانى الكذب كلها إلا ما رخَّص فيه من كذب الرجل لامرأته، وكذلك في الحرب، والإصلاح بين الناس، وإذا كان الكذب لا يصلح في شىءٍ إلا في هذه الثلاث، فالكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجدر ألا يصلح في دين ولا دنيا، إذْ الكذب عليه ليس كالكذب على غيره.
وأن الدعاء الذى دعا على من كذب عليه لأحق بمن كذب عليه في كل شىء.
وقال الشيخ أبو الحسن بن القابسى: من أجل حديث على، وحديث الزبير هاب من سمع الحديث أن يحدث الناس بما سمع، وهو بيِّن في اعتذار الزبير من تركه الحديث، لأنهما لم يذكرا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم: تمت متعمدًا - .
ولقد دار بين الزهرى وربيعة مُعاتبة، فقال ربيعة للزهرى: أنا إنما أُخبرُ الناسَ بِرَأْى إن شَاءوا أخذوا، وإن شاءوا تركوا، وأنت إنما تخبرهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فانظر ما تخبرهم به.
وإنما امتنع الناس في الرواية، لما في حديث أبى هريرة: تمت من كذب علىَّ متعمدًا - ، وكرهوا الإكثار لقول أنس: إنه ليمنعنى أن أحدثكم حديثًا كثيرًا.
وقد كره الإكثار من الرواية عمر بن الخطاب، وقال: أَقِلُّوا الحديث عن رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، وأنا شريككم.
قال مالك: معناه وأنا أيضًا أقلِّ الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه ابن وهب عنه.