فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 6439

وبما روى ابن وهب، عن ابن جريج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، أن امرأة من الأنصار دعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شاة مصلية، ومعه أصحابه، فصلى الظهر والعصر بوضوء واحد.

وقال أكثر أهل هذه المقالة: إن جَمْع الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصلوات بوضوء واحد يوم الفتح، وعند المرأة التى دعته للشاة المصلية، لم يكن ناسخًا لما تقدم من وضوئه - صلى الله عليه وسلم - لكل صلاة، وإنما بيَّن بفعله يوم الفتح أن وضوءه لكل صلاة كان من باب الفضل والازدياد في الأجر، فمن اقتدى به في ذلك فله فيه الأسوة الحسنة.

قالوا: ومما يدل على صحة ذلك ما رواه ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زياد، عن أبى عطية الهذلى، قال: صليت مع ابن عمر الظهر والعصر والمغرب، فتوضأ لكل صلاة، فقلت له: ما هذا؟ فقال: ليست بسنةٍ ولكنى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: تمت من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات - .

فبان بما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - من سنته أن الوضوء لا يجب إلى القيام للصلوات إلا عن الأحداث الموجبة للطهارة، وهذا قول مالك، والثورى، وأبى حنيفة، وأصحابه، والأوزاعى، والشافعى، وعامة فقهاء الأمصار، ومن بعدهم إلى وقتنا هذا.

وقوله: تمت وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن فرض الوضوء مرةً مرةً - ، وذلك أنه صلى به فَعُلِمَ أنه الفرض، إذ لا ينقص - صلى الله عليه وسلم - من فرضه، وهو المُبَيِّن عن الله لأمته دينهم.

ووضوءه - صلى الله عليه وسلم - مرتين وثلاثًا هو من باب الرفق بأمته والتوسعة عليهم ليكون لمن قصر في المرة الواحدة عن عموم غسل أعضاء الوضوء أن يستدرك ذلك في المرة الثانية والثالثة، ومن أكمل أعضاءه في المرة الواحدة فهو مخير في الاقتصار عليها أو الزيادة على المرة الواحدة.

وكان تنويع وضوئه - صلى الله عليه وسلم - من باب التخيير، كما ورد التخيير في كفارات الأَيْمَان بالله، وعقوبة المحاربين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت