ومن روى الوبر بإسكان الباء فمعناه أنه يشبهه بالوبر وهو دويبة على قدر السنور، عن صاحب العين، فأراد به في ضعف المنة وقلة الغناء كالنسور في السباع وإنما سكت النبى - - صلى الله عليه وسلم - - عن الإنكار على ابن سعيد؛ لأنه لم يذم أبا هريرة بحد ولا تنقصه في دين، وإنما تنقصه في قلة العشيرة والعدد أو بضعف المنة. وأما قوله: « تدلى علينا من قدوم ضأن » فإن أبا ذر الهروى، قال: « ضأن » جبل بأرض دوس وهو بلد أبى هريرة. وقوله: « تدلى علينا » يعنى: انحدر، ولا يخبر بهذا إلا عمن جاء من موضع عال، هذا الأشهر عند العرب.
وقوله: « من قدوم ضأن » يحتمل أن يكون قدوم جمع قادم، مثل راكع وركوع وساجد وسجود، ذكر ذلك سيبويه فيكون المعنى تدلى علينا من جملة القوم القادمين، أقام الصفة مقام الموصوف. وتكون « من » في قوله « من قدوم » تبيينًا للجنس كقوله: « لو تدلى علينا من ساكنى ضأن » ولا تكون « من » مرتبطة بالفعل في قوله، تدليت من الجبل. لاستحالة تدليه من قوم. ولا يقال تدليت من بنى فلان، ويحتمل أن يكون « قدوم » مصدر وصف به الفاعلون، ويكون في الكلام حذف، وتقديره: « تدلى علينا من ذوى قدوم » فحذف الموصوف وأقام المصدر مقامه، كما قالوا: رجل صوم ورجل فطر أى: ذو صوم وذو فطر، و « من » على هذا التقدير أيضًا تبيين للجنس كما كانت في الوجه الأول.
ويحتمل أن يكون معناه: تدلى علينا من مكان قدوم ضأن، ثم حذف المكان وأقام القدوم مكانه، كما قالت العرب: ذهب به مذهب وسلك به مسلك، يريد المكان الذى يسلك فيه ويذهب، ويشهد لهذا رواية من روى « من رأس ضأن » .