فمن هاهنا قال مالك: إنه من آذى مسلمًا في أبويه الكافرين عوقب وأدب لحرمتهما عليه. وقال الطبرى: في هذا الحديث دلالة على جواز تفدية الرجل الرجل بأبويه ونفسه، وفساد قول منكرى ذلك، فإن ظن ظان أن تفدية الرسول من فداه بأبويه إنما كان لأن أبويه كانا مشركين، فأما المسلم فغير جائز أن يفدى مسلمًا ولا كافرًا بنفسه ولا بأحد سواه من الإسلام، واعتلالا بما روى أبو سلمة قال: أخبرنى مبارك، عن الحسن قال: « دخل الزبير على الرسول وهو شاك، فقال: كيف تجدك جعلنى الله فداك؟ فقال له: أما تركت إفداء بيتك بعد » قال الحسن: لا ينبغى أن يفدى أحد أحدًا، ورواه المنكدر، عن أبيه قال: « دخل الزبير... » فذكره.
قلت: هذه أخبار واهية لا يثبت مثلها حجة في الدين؛ لأن مراسيل الحسن أكثرها عن غير سماع، وإذا وصل الأخبار فأكثر رواته عن مجاهيل لا يعرفون، والمنكدر بن محمد عند أهل النقل لا يعتمد على نقله، ولو صحت هذه الأخبار لم يكن فيها حجة في إبطال حديث على؛ إذ لا [] (1) فى حديث الزبير أن النبى نهاه عن قول ذلك، بل إنما قال له فيه: « أما تركت إفداء بيتك بعد » والمعروف من قول القائل إذا قال: فلان لم يترك إفداء بيته، وإنما يشبه إلى الجفاء لا إلى نقل ما لا يجوز فعله، وأعلمه أن غيره من القول والتحية ألطف وأورق منه، وسيأتى شيء من هذا المعنى في كتاب الأدب - إن شاء الله.
77 -باب الدَّرَقِ
(1) طمس بالأصل.