-وفيه: مُجَاشِعٍ بْن مسعود، أَتَيْتُ النَّبِىَّ، - صلى الله عليه وسلم - ، أَنَا وَأَخِى، فَقُلْتُ: بَايِعْنَا عَلَى الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: « مَضَتِ الْهِجْرَةُ لأهْلِهَا » ، فَقُلْتُ: عَلامَ تُبَايِعُنَا؟ قَالَ: « عَلَى الإسْلامِ وَالْجِهَادِ » .
قال المهلب: هذه الأحاديث مختلفة الألفاظ، منهم من يقول على الموت، وعلى ألا يفر، وعلى الصبر، والصبر يجمع المعانى كلها وهو أولى الألفاظ بالمعنى؛ لأن بيعة الإسلام هى على الجهاد وقتال المثلين، فإن كان المشركون أكثر من المثلين كان المسلم في سعة من أن يفر، وفى سعة أن يأخذ بالشدة ويصبر، وهذا كله بعد أن نسخ قتال العشرة أمثال، وأما قبل نسخها فكان يلزم قتال العشرة أمثال وألا يفر إلا من أكثر منها.
وبيعة الشجرة إنما هى على الأخذ بالشدة وألا يفر أصلا ولا بد من الصبر إما إلى فتح وإما إلى موت، فمن قال: بايعنا على الموت، أراد يفتح لنا، ومن قال: لا نفر. فهو نفس القصة التى وقعت عليها المبايعة، وهو معنى الصبر؛ وقول نافع: على الصبر؛ كراهية لقول من قال بأحد الطريقين: الموت أو الفتح، فجمع نافع المعنيين في كلمة الصبر.
وقوله لسلمة بن الأكوع: « ألا تبايع » أراد أن يؤكد بيعته؛ لشجاعة سلمة وغنائه في الإسلام وشهرته بالثبات؛ فلذلك أمره بتكرير المبايعة.
وحديث مجاشع بن مسعود إنما كان بعد الفتح؛ لأن الرسول قال: « لا هجرة بعد الفتح، إنما هو جهاد ونية » فكل من بايع الرسول قبل الفتح لزمه الجهاد أبدًا ما عاش إلا لعذر يجوز له به التخلف، وكذلك قالوا بحضرة رسول الله في ارتجازهم يوم الخندق:
نحن الذين بايعوا محمدًا
على الجهاد ما بقينا أبدًا
وكذلك قال الله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} فأباح لهم أن يتخلف عن الغزو من ينفر إلى التفقه في الدين ولم يبح لغير المتفقهين التخلف عن الغزو.