وقوله: « قد بقى لك ما يسوؤك » أرهب عليه لما ظن به الوقيعة، وكسر شوكة الإسلام، وأنه قد مضى النبى وسادة أصحابه، فعرفهم أنهم أحياء، وأنه قد بقى له ما يسوؤه.
و « هبل » صنم كانوا يعبدونه في الجاهلية، وأمر النبى بجوابه؛ لأنه بعث بإعلاء كلمة الله - تعالى - وإظهار دينه، فلما كلم هذا الكلام لم يسعه السكوت عنه، حتى تعلو كلمة الله، ثم عرفهم في جوابه أنهم يقرون أن الله أعلى وأجل لقولهم: {إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى} فلم يراجعه أبو سفيان، ولا نقض عليه كلامه، اعترافًا بما قال. ثم ذكر صنمًا آخر فقال: إن لنا العزى ولا عزى لكم. فأمر الرسول بمجاوبته، وعرف في جوابه أن العزى ومثلها من الأصنام لا موالاة لها، ولا نصر. فقال: الله مولانا ولا مولى لكم.
فعرف أن النصر من عند الله، وأن الموالاة والنصر لا تكون من الأصنام، فبكته بذلك، ولم يراجعه، وإنما ترك النبى مجاوبته بنفسه تهاونًا من خصام مثله، وأمر من ينوب عنه تنزهًا عنه.
وقال الخطابى: « إن رأيتمونا تخطفنا الطير » مثل، والمعنى: إن رأيتمونا قد انهزمنا وولينا، فلا ترجعوا. يقال: فلان ساكن الطير، وواقع الطير إذا كان هاديًا وقورًا. وضرب المثل بالطير؛ لأنه لا يقع إلا على الشيء الساكن، ويقال للإنسان إذا طاش وأسرع: قد طار طيره.
150 -باب: مَنْ رَأَى العَدُوَّ فَنَادَى
بِصَوْتِهِ يَا صَبَاحَاهْ حَتَى يُسْمِعَ النَّاسَ