ليقوى قلب من تمكن الشيطان منه فاستزله وانهزم، ولذلك نزل - صلى الله عليه وسلم - بالأرض؛ لأن النزول غاية ما يكون من الطمأنينة، والثقة بالله - تعالى - ليقتدى به المؤمنون فيثبتوا؛ لأن الرسول لا يجوز عليه من كيد الشيطان أن يقذف في قلبه خوفا يزل به قدمه، أو ينكص على عقبيه فينهزم؛ لأنه على بصيرة من أمره، ويقين من نصر الله له، وإتمام أمره، ومنعه من عدوه، وقد تقدم هذا المعنى.
قال الطبرى: وقد اختلف السلف: هل يعلم الرجل الشجاع نفسه عند لقاء العدو؟ فقال بعضهم: ذلك جائز على ما دل عليه هذا الحديث، وقد أعلم نفسه حمزة بن عبد المطلب يوم بدر بريشة نعامة في صدره، وأعلم نفسه أبو دجانة بعصابة محضر النبى - - صلى الله عليه وسلم - - وكان الزبير يوم بدر معتم بعمامة صفراء، فنزلت الملائكة معتمين بعمائم صفر.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: {بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} إنهم أتوا محمدًا - - صلى الله عليه وسلم - - مسومين بالصوف، فسوم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف، وكره آخرون التسويم والإعلام في الحرب، وقالوا: فعل ذلك من الشهرة، ولا ينبغى للرجل المسلم أن يشهر نفسه في خير ولا شر، قالوا: وإنما ينبغى للمؤمن إذا فعل شيئًا لله أن يخفيه عن الناس؛ فإن الله لا يخفى عليه شيء، روى هذا عن بريدة الأسلمي.
قال الطبرى: والصواب أنه لا بأس بالتسويم والإعلام في الحرب إذا فعله الفاعل من أهل البأس والنجدة، وهو قاصد بذلك شد الناس على أن لا [....] (1) والصبر للعدو والثبات لهم في اللقاء، وهو يريد ترهيب العدو إذا عرفوا مكانه، وإعلام من معه من المسلمين أنه لا يخذلهم ولا يسلمهم.
وأما إذا لم يرد ذلك وقصد به الافتخار فهذا المعنى هو المكروه؛ لأنه ليس ممن قاتل لتكون كلمة الله هى العليا وإنما قاتل للذكر.
152 -باب: إِذَا نَزَلَ الَعُدُّو عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ
(1) طمس بالأصل، وهو شيبه بكلمة معناها: تتشابه.