قال عبد الواحد: مما يدل على أن ليس في إتيانهم بالماء ارتفاع ملك مالكه أنه لو لم يكن في ذلك الماء غير ما يفوت وضوء الآتى به لم يجز له أن يعطيه لغيره ويتيمم، لأنه كان يكون واجدًا للماء، فلا يجزئه التيمم إلا أن يكون الرسول أو إمام المسلمين فينبغى أن يفضله به على نفسه، لحاجة الإمام إلى كمال الطهارة، وأنها فيه أوكد من سائر الناس، والماء الذى أتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يرتفع ملك أحد عنه، لأن من أتى به فقد توضأ به، والماء الذى ينبع وعم الناس كان ببركة النبى، - صلى الله عليه وسلم -، ومن أجله، فلم يكن لأحد تملكه.
وقال المزنى: ما أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذه الآية العظيمة، والعلم الجسيم في نبع الماء من بين أصابعه أعظم مما أوتيه موسى حين ضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، لأن الماء معهود أن تنفجر من الحجارة، وليس بمعهود أن يتفجر من بين أصابع أحد غير نبينا.
وقال المهلب مثله، وزاد: أن الماء كان بمقدار وضوء رجل واحد، وعم أهل العسكر أجمعين ببركته - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا الحديث شهده جماعة كثيرة من أصحاب النبى، - صلى الله عليه وسلم -، إلا أنه لم يرو إلا من طريق أنس، وذلك، والله أعلم، لطول عمره، ولطلب الناس العلو في السند.
29 -باب الْمَاءِ الَّذِى يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإنْسَانِ
وَكَانَ عَطَاءٌ لا يَرَى بِهِ بَأْسًا أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا الْخُيُوطُ وَالْحِبَالُ. وَسُؤْرِ الْكِلابِ وَمَمَرِّهَا فِى الْمَسْجِدِ، قَالَ الزُّهْرِىُّ: إِذَا وَلَغَ فِى إِنَاءٍ لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرُهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ.
قَالَ سُفْيَانُ: هَذَا الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ، لقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] وَهَذَا مَاءٌ، وَفِى النَّفْسِ مِنْهُ شَىْءٌ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ.