قال ابن القصار: فدل على أن أهل الحرب قد ملكوه على المسلمين وصارت لهم يد عليه، ألا ترى أنه لو كان باقيًا على ملك مالكه لم يختلف حكم وجوده قبل القسمة وبعدها، والذى يقوى هذا أن العدو لو أتلفه ثم أسلم لم يتبع بقيمته، ولو أتلفه مسلم على مسلم لزمه غرمه، ولما جاز أن يملك المسلم على الكافر بالقهر والغلبة جاز أن يملك الكافر عليه بذلك.
ودليل آخر: وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: « وهل ترك لنا عقيل منزلا » وكان عقيل استولى على دور النبى - صلى الله عليه وسلم - وباعها فلولا أن عقيلا ملكها بالغلبة وباعها لأبطل النبى - صلى الله عليه وسلم - بيعها ولم يجز تصرفه؛ لأن بيع ما لا يصح ملكه لا حكم له.
فإن قيل: خبر ابن عباس رواه الحسن بن عمارة وهو ضعيف؛ فإن الطحاوى ذكر أن على بن المدينى روى عن يحيى عن شعبة أنه سأل مسعرًا عن هذا الحديث فقال: هو من حديث عبد الملك بن ميسرة فأثبته من حديثه فدل أنه قد رواه غير الحسن بن عمارة فاستغنى عن روايته بشهرته عن عبد الملك بن ميسره. وأما خبر الناقة والمرأة فلا حجة لهم فيه لأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: « لانذر لابن آدم فيما لا يملك » إنما كان قبل أن تملك المرأة الناقة لأنها قالت ذلك وهى في دار الحرب، وكل الناس تقول: إن من أخذ شيئًا من أهل الحرب فلم ينجح به إلى دار الإسلام أنه غير محرز له/ ولا يقع عليه ملكه حتى يخرج به إلى دار الإسلام. فلهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: « لا نذر لابن آدم فيما لا يملكه » هذا وجه الحديث.
وقال ابن القصار: ما أحرزه المشركون وخرج عن أيديهم إلى المسلمين، فإن لم يقع في المقاسم ولا حصل بيد إنسان بعوض فإنه يعود إلى ملك صاحبه، فالمرأة لما أخذت الناقة بغير عوض انتقل ملكها عن المشركين وحصل للنبى - - صلى الله عليه وسلم - - فأما إذا قسمت الغنائم وحصل الشيء في يد أحد حصلت له شبهة ملك لأجل أنه حصل له بعوض؛ لأن الغانمين قد اقتسموا وتفرقوا، فإن أعطاه الإمام القيمة جاز، وإن لم يعطه لم يأخذه صاحبه إلا بعوض؛ لأن القسم حكم الإمام مع كون شبهه يد الكفار فيصير للغانم بحكم الإمام.