هذا قول مالك والليث والأوزاعى والشافعى وجماعة من العلماء رخصوا في ذبح الأنعام في بلاد العدو للأكل وفى أكل الطعام؛ لأن هؤلاء الذين أكفئت عليهم القدور إنما ذبحوه بذى الحليفة وهى أرض الإسلام، وليس لهم أن يأخذوا في أرض الإسلام إلا ما قسم لهم؛ لأنها غنيمة فاضلة، وإباحة الأكل من المغنم إنما هو في أرض العدو وقبل تخليص الغنيمة وإحرازها، فهذا الفرق بينهما.
وقد قال الثورى والشافعى: إن ما أخذه المرء من الطعام في أرض العدو فيفضل منه فضلة وتقدم بها إلى بلدة الإسلام أنه يردها إلى الإمام. وقال أبو حنيفة: يتصدق به، فكيف من يتسور فيه في أرض الإسلام ويأخذه بغير إذن الإمام؟
ورخص مالك في فضلة الزاد مثل الخبز واللحم إذا كان يسيرًا لا بال له. وهو قول أحمد بن حنبل. وقال الليث: أحب إلى إذا دنا من أهله أن يطعمه أصحابه. وقال الأوزاعى: يهديه إلى أهله. وأما البيع فلا يصلح، فإن باعه وضع ثمنه في المغنم، فإن فات ذلك تصدق به عن الجيش، ورخص فيه سليمان بن موسى.
قال المهلب: وأمرهم - صلى الله عليه وسلم - بإكفاء القدور ليعلمهم أن الغنيمة إنما يستحقونها بعد قسمته لها فلا يفتاتوا في أخذ شيء قبل وجوبه لقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه} ولقوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله} .
قال الحسن: إن هذه الآية نزلت في أهل، نحروا قبل أن يصل النبى - - صلى الله عليه وسلم - - فأمرهم أن يعيدوا الذبح.
وقال مجاهد في هذه الآية: لا تفتاتوا على رسول الله بشيء حتى يقضيه الله على لسانه. وقال الكلبى: لا تقدموا بين يدى الله ورسوله بقول ولا فعل.
وفيها: قول آخر ذكره ابن المنذر، عن سماك بن حرب، عن ثعلبة بن الحكم قال: « أصبنا يوم خيبر غنمًا فانتهبناها، فجاء رسول الله وقدورهم تغلى فقال: إنها نهبة فأكفئوا القدور وما فيها؛ فإنها لا تحل النهبة » .