وقوله: « كلاكما قتله » فلو كان السلب مستحقًا بالقتل لكان يجعله بينهما؛ لأنهما اشتركا في قتله، ولا ينتزعه من أحدهما. فلما قال لهما: « كلاكما قتله » ثم قضى بالسلب لأحدهما دون الآخر، دل ذلك على ما قلنا؛ ألا ترى أن الإمام لو قال: « من قتل قتيلا فله سلبه » فقتل رجلان قتيلا أن سلبه بينهما نصفين وأنه ليس للإمام أن يحرمه أحدهما ويدفعه للآخر؛ لأن كل واحد منهما له فيه من الحق مثلما لصاحبه، وهما أولى به من الإمام، فلما كان للنبى في سلب أبى جهل أن يجعله لأحد قاتليه دل أنه كان أولى به منهما؛ لأنه لم يكن قال يومئذ: « من قتل قتيلا فله سلبه » قاله الطحاوي.
وقال ابن القصار: لما خص به - صلى الله عليه وسلم - أحدهما علم أنه غير مستحق إلا بعطية الإمام؛ لأن عطاء الإمام عندنا من الخمس، فيكون معنى قوله: « من قتل قتيلا فله سلبه » يعنى: من الخمس لا من مال الغانمين.
واحتج أصحاب الشافعى فقالوا: إنما أعطى السلب لأحدهما وإن كان قال: « كلاكما قتله » لأنه استطاب نفس صاحبه، ولم ينقل ذلك، ويشهد لصحة هذا ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه جعل السلب للقاتل يوم بدر وغيره، روى ذلك من حديث عبد الرحمن بن عوف، وحديث عوف بن مالك، وحديث أبى قتادة، وحديث ابن عباس، قالوا: لأنه محال أن يقول: « كلاكما قتله » ويقول: « من قتل قتيلا فله سلبه » ثم يعطى أحدهما إلا عن إذن صاحبه، كما فعل في غنائم هوازن.
وبهذا التأويل تسلم الحاديث من التعارض والاختلاف. قالوا: وحديث أبى قتادة، يدل أن السلب من رأس الغنيمة لا من الخمس؛ لأن الرسول أعطى أبا قتادة سلب قتيله قبل قسمة الغنيمة لأنه نفله حين برد القتال، ولم يقسم الغنيمة إلا بعد أيام كثيرة بالجعرانة.