وحجة مالك حديث عبد الرحمن بن عوف « أن النبى - - صلى الله عليه وسلم - - أخذ الجزية من مجوس هجر » وقال في المجوس: « سنوا بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم » وأيضًا فإن النبى - - صلى الله عليه وسلم - - كان يبعث أمراء السرايا فيقول لهم: « إذا لقيتم العدو فادعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا فالجزية، فإن أعطوا وإلا فقاتلوهم » ولم ينص على مشرك دون مشرك، بل عم جميع المشركين؛ لأن الكفر يجمعهم، ولما جاز أن يسترقهم جاز أن يأخذ منهم الجزية، عكسه المرتد لما لم يجز أن يسترقه لم يجز أخذ الجزية منه.
وليس فيما احتج به الشافعى من قوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} دليل على أن الجزية لا يجوز أخذها من غير أهل الكتاب؛ لأن الله - تعالى - لم ينه أن تؤخذ الجزية من غيرهم، وللنبى - - صلى الله عليه وسلم - - أن يزيد في البيان، ويفرض ما ليس بموجود في الكتاب، ألا ترى أن الله حرم الأمهات ومن ذكر معهن في الآية، وحرم النبى أن تنكح المرأة على عمتها وخالتها، وليس ذلك بخلاف لكتاب الله؛ فكذلك أخذ الجزية من جميع المجوس هو ثابت بالسنة الثابتة، وهذا ينتظم الرد على أبى حنيفة في قوله أن مجوس العرب، لا يجوز أخذ الجزية منهم، ويؤخذ من سائر المجوس غيرهم؛ لإطلاقه - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من جميع المجوس بقوله: « سنوا بهم سنة أهل الكتاب » ومن ادعى الخصوص في هذا وأن المراد بعضهم فعليه الدليل.
وأما قول الشافعى: أن المجوس كانوا أهل كتاب فرفع فهو غير صحيح؛ لأنه لو كان كذلك لكان لنا أن نأكل ذبائحهم، وننكح نساءهم، وهذا لا يقوله أحد.
وقوله: « سنوا بهم سنة أهل الكتاب » يدل أنه لا كتاب لهم، وأيضًا فإنه لو كانوا أهل كتاب فرفع كتابهم لوجب أن يصيروا بمنزلة من لا كتاب له؛ لأن الشيء إذا كان لمعنى فارتفع المعنى ارتفع الحكم. هذا قول ابن القصار.