والدلالة الثانية: قوله: « إن لها أوابد كأوابد الوحش » ورسول الله لا يعلمنا اللغة، وإنما يعلمنا الحكم، فعلم أنه أراد أنه يصير حكمه حكم الوحشى في الذكاة. قالوا: ومن جهة القياس أنه لما كان الوحشى إذا قدر عليه لم يحل إلا بما يحل به الإنسى؛ لأنه صار مقدورًا عليه، فكذلك ينبغى في الإنسى إذا توحش وامتنع أن يحل بما يحل به الوحشي.
واحتج الآخرون فقالوا: لا تلزم هذه الحجة؛ لو كان المستأنس إذا استوحش كالوحشى في الأصل، لوجب أن يكون حكمه حكم الوحشى في الجزاء فيه إذا قتله المحرم، وفى أنه لا يجوز في الضحايا والعقيقة، ويجب أن يصير ملكًا لمن أخذه ولا شيء على قاتله.
قال مالك: لو أن رجلا رماها فقتلها غرمها، ولم يحل له أكلها، ولو كانت بمنزلة الصيد حلت له، فلما أجمعنا على أن جميع أحكامه التى كانت عليه قبل أن يتوحش لم تزل ولم تتغير، وكانت كلها بخلاف الوحشى في الأصل، كذلك الذكاة. وأما احتجاجهم بحديث رافع بن خديج فنقول: يجوز إذا ند ولم يقدر عليه أن يرميه ليحبسه ثم يلحقه فيذكيه، وهذا معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: « فاصنعوا به هكذا » أى: ارموه لتحبسوه، ثم ذكوه، ولم يرد قتله كما يقتل الوحشى، قاله ابن القصار، وقد تقدم بعض هذا المعنى في أول كتاب الذبائح.
وقوله: « أعجل أو أرنى ما أنهر الدم » وهكذا وقعت هذه اللفظة في رواية الفربرى بالألف والراء والنون والياء بعدها. ولم أجد لها معنى يستقيم به الكلام، وأظنها مصحفة - والله أعلم.
وقال الخطابى: هذا حرف طالما استثبت فيه الرواة، وسألت عنه أهل العلم باللغة فلم أجد عند واحد منهم شيئًا يقطع بصحته، وقد طلبت له مخرجًا فرأيته يتجه لوجوه: أحدها: أن يكون ماخوذًا من قولهم: أران القوم فهم مرينون، إذا هلكت مواشيهم، فيكون معناه: أهلكها ذبحًا وأزهق أنفسها بكل ما أنهر الدم غير السن والظفر، هذا إذا رويته بكسر الراء على رواية أبى داود السجستاني.