قال الطحاوى: فكان من الحجة عليهم أن جابرًا قد أخبر أن النبى أطعمهم يومئذ لحوم الخيل، ونهاهم عن لحوم الحمر، فهم كانوا إلى الخيل أحوج منهم إلى الحمر. فدل تركه منعهم أكل لحوم الخيل أنهم كانوا في بقية من الظهر، ولو كانوا في قلة منه حتى احتيج لذلك أن يمنعوا من أكل لحوم الحمر لكانوا إلى المنع من أكل لحوم الخيل أحوج؛ لأنهم يحملون على الخيل كما يحملون على الحمر، ويركبون الخيل بعد ذلك لمعان لا يركبون لها الحمر، فدل أن العلة التى ذكروها ليست هى علة منعها.
وقال آخرون: إنما منعوا منها لأنها كانت تأكل العذرة، ورووا في ذلك حديث شعبة عن الشيبانى قال: « ذكرت لسعيد بن جبير حديث ابن أبى أوفى وأمر النبى - - صلى الله عليه وسلم - - بإكفاء القدور يوم خيبر، فقال: إنما نهى عنها، لأنها كانت تأكل العذرة » فكان من الحجة عليهم في ذلك أنه لو لم يكن جاء في هذا إلا الأمر بإكفاء القدور لاحتمل ما قالوا، ولكن قد جاء هذا وجاء النهى في ذلك مطلقًا؛ حدثنا على بن معبد حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا أبو زيد عبد الله بن العلاء، حدثنا مسلم بن مشكم - كاتب أبى الدرداء - قال: سمعت أبا ثعلبة الخشنى يقول: « أتيت النبى - - صلى الله عليه وسلم - - فقلت: يا رسول الله، حدثنى ما يحل لى مما يحرم عليّ فقال: لا تأكل الحمار الأهلى، ولا كل ذى ناب من السباع » فكان كلام الرسول في هذا الحديث جوابًا لسؤال أبى ثعلبة إياه عما يحل له مما يحرم عليه، فدل ذلك أن نهيه - صلى الله عليه وسلم - عنها لا لعلة تكون في بعضها دون بعض من أكل العذرة وشبهها ولكن لها في أنفسها.