فإن قال قائل: فما معنى حديث أنس في هذا الباب، وإنما فيه النهى عن الانتباذ؟ قال المهلب: هو موافق للتبويب، وذلك أن الخمر من العسل لا يكون إلا منتبذا في الأوانى بالماء الأيام حتى يصير خمرًا، وأن الرسول إنما نهى عن الانتباذ في الظروف المذكورة؛ لسرعة كون ما ينبذ فيها خمرًا من كل ما ينتبذ فيها.
5 -باب مَا جَاءَ فِى أَنَّ الْخَمْرَ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ مِنَ الشَّرَابِ
(1) /13 - فيه: ابْن عُمَرَ، خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِىّ، عليه السَّلام، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وإنه مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ الحديث.
قال المهلب: قوله: « نزل تحريم الخمر وهى من خمسة أشياء » ففسر ما أنزل، وهذا يجرى مجرى المسندات، وإذا لم يجد مخالفًا له في الصحابة وجب أن يكون هذا التفسير لكتاب الله ولما حرم فيه مجمعًا عليه في الصحابة فيرتفع الإشكال عمن تلبس عليه أمره، إن أراد الله هدايته، ومن الدليل القاطع لهم إجماعنا وإياهم على تحريم قليل الخمر من العنب، ولا يخلو تحريمها أن يكون لمعنى أو لغير معنى، فإن قيل: إنه لغير معنى، فمعاذ الله أن يأمر بشىء عبثًا، وإذا كان ذلك لمعنى، فلا معنى لقليل الخمر من العنب إلا وهو موجود في قليل الخمر من غيرها، فإذا صحت العلة فيهما جميعًا وجب أن يكون حكمهما واحدًا، وإن كان إلى المعقول و الإنصاف سبيل ووجه العلة التى حرم بها قليل الخمر من العنب وغيرها: أن كل نقطة من الخمر تأخذ بنصيب من إسكار العقل؛ لأن من شرب عشرة كئوس فلم يسكر، وشرب كأسًا واحدًا بعدها فسكر منه، لم يجز أن يقال: إن ذلك الكأس وحده أسكره؛ لأنه قد شرب قبله تسعًا فلم يسكر، فوجب بهذا النظر أن لكل كأس جزءًا من السكر.
(1) - سبق تخريجه.