ومثال ذلك لو أن سفينة رُمى فيها عشرة أقفزة فلم تغرق، فرمى فيها قفيز زائد فغرقت، لم يكن غرقها بالقفيز ولا بثقله وحده، بل إنما كان غرقها بالجميع؛ لأن القفيز الواحد قد رمى فيها أولا فلم تغرق به، وليس بين العقول وبين هذا حجاب.
قال ابن القصار: وإنما احتاط الله - تعالى - على عباده بأن يمتنعوا من قليل الخمر وإن لم يسكر؛ لأن ذلك داعى إلى كثيرها، ومثل هذا في العبادات كثير.
منه أن البيع يوم الجمعة وقت النداء منهى عنه خشية فوت الجمعة، فاحتيط عليهم بأن منعوا البيع فيه.
و منه سائق الهدى تطوعًا إذا عطب قبل محله أمر ألا يأكل منه، ولا يطعم أحدًا؛ خيفة أن يتطرق إلى نحره ويدعى عطبه.
ومنه الخاطب في العدة منع من التصريح؛ لما يدعو إليه التصريح من دواعى الشهوة.
فكذلك كل ما وقع عليه اسم خمر فحكمه واحد في التحريم، مع أن القدر الذى يحدث عنه السكر غير معلوم، فلا يجوز أن يتعلق به التحريم؛ لاختلاف طباع الناس، فربما أسكر القليل منه بعض الناس، ومنهم من لا يسكره إلا الكثير، فحسم الله المادة بتحريم قليله وكثيره خيفة مواقعة السكر.
وقد ألزم الشافعى الكوفيين إلزامًا صحيحًا فقال: ما تقولون فيمن شرب القدر الذى لا يسكره؟ قالوا: مباح، قال لهم: فإن خرج فهبت عليه الريح فسكر مما شربه؟ قالوا: حرام، فقال: هل رأيتم شيئًا يدخل الجوف وهو حلال ثم يصير محرمًا؟!
قال إسماعيل بن إسحاق: وقوله: « الخمر ما خامر العقل » فهو أن يصير على القلب من ذلك شىء يغطيه، ومن ذلك سمى الِخمَار؛ لأنه يغطى الرأس، ويقال للشجر الملتف الذى يغطى من تحته: الخمَر.
قال ابن المنذر: واختلف العلماء في حد السكر والذى يلزم صاحبه اسم السكر، فقال مالك: إذا تغير من طباعه التى هو عليها، وهو قول أبى ثور.
وقال الثورى: لا يجلد إلا في اختلاط العقل، وهو أن يُستقرأ، فإن أقام القراءة وسئل فتكلم بما يعرف لم يحد، وإن لم يقم ذلك حُد.