وقال إسماعيل بن إسحاق: وليس في القرعة إبطال شىء من الحق كما زعم الكوفيون، وإذا وجبت القسمة بين الشركاء في أرض أو دار، فعليهم أن يعدلوا ذلك بالقيمة، ثم يستهموا ويصير لكل واحد منهم ما وقع له بالقرعة مجتمعًا مما كان له في الملك مشاعًا، فيصير في موضع بعينه، ويكون له ذلك بالعوض الذى صار لشريكه؛ لأن مقادير ذلك قد عدل بالقيمة.
وإنما منعت القرعة أن يختار كل واحد منهم موضعًا بعينه، وهذا إنما يكون فيما يتشابه من الدور والأرض والعروض، وما تستوى رغبة الناس في كل موضع مما يقترع عليه.
وفى قوله، عَلَيْهِ السَّلام: « كمثل قوم استهموا على سفينة » ، جواز القرعة؛ لإقرار النبى - صلى الله عليه وسلم - لها، وأنه لم يذم المستهمين في السفينة، ولا أبطل فعلهم، بل رضيه وضربه مثلًا لمن نجى نفسه من الهلكة في دينه، وقد ذكر البخارى أحاديث كثيرة في القرعة في آخر كتاب الشهادات، وترجم له باب القرعة في المشكلات.
قال المهلب: وفى حديث النعمان بن بشير تعذيب العامة بذنوب الخاصة، وفيه استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وفيه تبيين العالم للمسألة بضرب المثل الذى يفهم للعوام، وفيه أنه يجب على الجار أن يصبر على شىء من الأذى لجاره خوفًا مما هو أشد منه.
وأما أحكام العلو والسفل تكون بين رجلين، فيعتل السفل أو يريد صاحبه هدمه، فذكر سحنون، عن أشهب أنه قال: إذا أراد صاحب السفل أن يهدم، وأراد صاحب العلو أن يبنى علوه، فليس لصاحب السفل أن يهدم السفل إلا من ضرورة يكون هدمه له أرفق لصاحب العلو؛ لئلا ينهدم بانهدامه العلو، وليس لرب العلو أن يبنى على علوه شيئًا لم يكن قبل ذلك إلا الشىء الخفيف الذى لا يضر بصاحب السفل.