فهرس الكتاب

الصفحة 3868 من 6439

قال المهلب: وفى قوله عَلَيْهِ السَّلام: « اردده » من الفقه أن للأب أن يقبض ما وهب لولده ويرجع فيه. وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال مالك: له أن يرجع في هبته وإن قبضها الولد ما لم تتغير في يد ولده، أو سيحدث دينًا، أو تتزوج البنت بعد الهبة. وقال الشافعى: له أن يرجع في هبته على كل حال ولم يعتبر طروء دين أو تزويجًا.

وقال أبو حنيفة: لا يرجع فيما وهب لولده، وحديث النعمان حجة على أبى حنيفة؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمره بالرجوع فيما وهب لابنه، فإن قال: لم يكن قبض النعمان الهبة، فلذلك جاز لأبيه الرجوع فيها، فالجواب أن الهبة تلزم عند مالك بالقول، ولا يفتقد في صحتها إلى القبض.

ولو كان الحكم فيها يختلف بين أن تكون مقبوضة أو غير مقبوضة، لاستعلم الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحال وفصل بينهما، وأيضًا فإن مجيئه للنبى، عَلَيْهِ السَّلام، يشهده يدل على أنه كان أقبضه، ولو لم يقبضه لم يكن لقوله: « أرجعه » معنى؛ لأنه عندكم قبل القبض لا يلزمه يرجع فيه، وليس لقوله حكم.

وحجة مالك أنه لا يرجع إن استحدث ابنه دينًا، فإنما قال ذلك؛ لأن حق الغرماء قد وجب في مال الابن؛ لأنهم إنما داينوه على ماله، فليس للأب أن يبطل حقوق غرماء ابنه، وكذلك البنت إذا تزوجت لمالها؛ لأن الزوج له معونة فيه وكمال في مال زوجته.

وقد قال عَلَيْهِ السَّلام: « تنكح المرأة لمالها » ، فليس للأب أن يبطل ما وجب للزوج من الحقوق في مال زوجته بأن يأخذ ذلك منها، وليس لغير الأب أن يقبض عند مالك وأكثر أهل المدينة، إلا أن الأم لها أن تقبض عندهم ما وهبت لولدها إذا كان أبوهم حيًا.

هذا الأشهر عن مالك، وقد روى عنه أنها لا تقبض أصلًا، ولا يجوز عند أهل المدينة أن تقبض الأم ما وهبت ليتيم من ولدها؛ لأن الهبة لليتيم على وجه القربة لله، فهى بمنزلة الصدقة عليه، ولا يجوز الرجوع في الصدقة؛ لأنها لله، كما لا يجوز الرجوع في العتق والوقف وأشباهه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت