وقوله: « أشهد على هذا غيرى » ، دليل على صحة العقد، وقد أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بالتسوية بينهم ليستووا جميعًا في البر، وليس في شىء من هذا فساد العقد على التفضيل، فكان كلام النبى - صلى الله عليه وسلم - إياه على طريق المشورة، وعلى ما ينبغى أن يفعل عليه الشىء إن آثر فعله.
وكان عَلَيْهِ السَّلام إذا قسم شيئًا بين أهله سوى بينهم جميعًا، وأعطى المملوك كما يعطى الحر، ليس ذلك على أنه واجب، لكنه أحسن من غيره، وقد روى معمر، عن الزهرى، عن أنس، قال: كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل، فجاء ابن له، فقبله وأجلسه على فخذه، ثم جاءت ابنة له، فأجلسها إلى جنبه، قال: « فهلا عدلت بينهما » ، أفلا ترى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد منه التعديل بين البنت والابن، وألا يفضل أحدهما على الآخر.
فإن قيل: فقوله عَلَيْهِ السَّلام: « لا أشهد على جور » ، يدل على أن إعطاء بعضهم لا يجوز.
قيل: ليس قوله ذلك بأشد من قوله: « فارجعه » ، وهذا يدل على أن العطية قد لزمت وخرجت عن يده، ولو لم تكن صحيحة لم يكن له أن يرتجع؛ لأنها ما مضت ولا صحت فيرتجع، فأمره بذلك لأن المستحب والمسنون التسوية.
ولما أجمعوا على أنه مالك لماله، وأن له أن يعطيه من شاء من الناس، كذلك يجوز أن يعطيه من شاء من ولده، والدليل على جواز ذلك أن أبا بكر الصديق نحل ابنته عائشة دون سائر ولده، ونحل عمر ابنه عاصمًا دون سائر ولده، ونحل عبد الرحمن بن عوف ابنته أم كلثوم ولم ينحل غيرها، وأبو بكر وعمر إمامان، وعبد الرحمن ومحله، ولم يكن في الصحابة من أنكر ذلك.
والحجة على من قال: نجعل حظ الذكر مثل حظ الأنثيين كالفرائض، قوله عَلَيْهِ السَّلام: « أكل ولدك نحلت مثل هذا » ، ولم يقل له: هل فضلت الذكر على الأنثى؟ ولو كان ذلك مستحبًا لسأله عنه كما سأله عن التشريك في العطية، فثبت أن المعتبر عطية الكل على التسوية.
فإن قيل: لم يكن لبشير بنت، فلذلك لم يسأله. قيل: قد كان للنعمان أخت لها خبر نقله أصحاب الحديث.