فهرس الكتاب

الصفحة 3896 من 6439

قال ابن حبيب: وسمعت أهل العلم يقولون: إنما والى الجيش في سهمانه كرجل منهم له ما لهم وعليه ما عليهم. وقال أبو يوسف: ما أهدى إلى والى الجيش فهو له خاصة، وكذلك ما يعطاه الرسول. وقال محمد بن الحسن: ولو أهدى العدو إلى رجل من المسلمين ليس بقائد ولا أمير هدية، فلا بأس أن يأخذها، وتكون له دون العسكر، وهو قول الأوزاعى، وابن القاسم صاحب مالك.

فإن قيل: فقد روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أن عياض بن حمار أهدى إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - هدية، أو ناقة، فقال: « أسلمت؟ » ، قال: لا، فلم يقبلها، وقال: « إنى نهيت عن زبد المشركين » ، رواه شعبة، عن قتادة، عن أبى العلاء يزيد بن عبد الله، عن عياض بن حمار، وهذا معارض لما روى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبول هدايا المشركين، فهو ناسخ لها.

قيل: يحتمل أن يكون ترك قبول هديته لما في ذلك من التأنيس والتحاب، ومن حاد الله وشاقه حرم على المؤمنين موالاته، ألا ترى أنه عَلَيْهِ السَّلام جعل علة ردها لما لم يسلم، وقد روى معمر، عن الزهرى، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: جاء ملاعب الأسنة إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - بهدية، فعرض عليه النبى - صلى الله عليه وسلم - الإسلام فأبى أن يسلم، فقال عَلَيْهِ السَّلام: « فإنى لا أقبل هدية مشرك » .

فدل هذا الحديث على مثل ما دل عليه حديث عياض، وبان به أن قبول النبى - صلى الله عليه وسلم - هدية من قبل هديته من المشركين إنما كان على وجه التأنيس له والاستئلاف، ورجاء إنابتهم إلى الإسلام، ومن يئس من إسلامه منهم رد هديته.

وقال الطبرى: قبول النبى - صلى الله عليه وسلم - هدايا المشركين إنما كان نظرًا منه للمسلمين وعودًا بنفعه عليهم، لا إيثارًا منه نفسه به دونهم، وللإمام قبول هدايا أهل الشرك وغيرهم، إذا كان ما يقبله من ذلك للمسلمين، وأما رده هدية من رد هديته منهم، فإنما كان ذلك من أجل أنه أهداها له في خاصة نفسه، فلم ير قبولها، تعريفًا منه لأئمة أمته من بعده أنه ليس له قبول هدية أحد لخاصة نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت