ويبين ذلك ما رواه ابن عوف، عن الحسن، قال: جاء رجل إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - يقال له: عياض، كانت بينه وبين النبى - صلى الله عليه وسلم - صداقة قبل أن يبعث بهديته، فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم -: « أسلمت؟ » ، قال: لا، قال: « فإنه لا يحل لنا زبد المشركين » . قال الحسن: الزبد: الرفد، ذكره ابن سلام.
قال الطبرى: فإن ظن ظان أن قوله عَلَيْهِ السَّلام: « لا تقبل هدية مشرك » ، وأن ما رواه عطاء، عن جابر، عن النبى، عَلَيْهِ السَّلام، أنه قال: « هدايا الإمام غلول » ، أن ذلك على العموم، فقد ظن خطأ.
وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن الله تعالى قد أباح للمسلمين أموال أهل الشرك بالقهر والغلبة لهم بقوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم} [الأنفال: 41] الآية، فهو بطيب أنفسهم لا شك أحلى وأطيب.
والدليل على صحة قولنا ما رواه شعبة، عن على بن زيد، عن أبى المتوكل الناجى، عن أبى سعيد الخدرى، أن ملك الروم أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - جرة من زنجبيل، فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أصحابه، فأعطى كل رجل قطعة.
وما رواه قرة، عن الحسن، قال: أهدى أكيدر دومة الجندل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جرة فيها مَن، بالنبى عَلَيْهِ السَّلام وأهله إليها حاجة، فلما قضى الصلاة أمر طائفًا فطاف بها على أصحابه، فجعل الرجل يدخل يده فيخرج فيأكل، فأتى على خالد بن الوليد فأدخل يده، فقال: يا رسول الله، أخذ القوم مرة مرة، وأخذت مرتين، فقال: « كل وأطعم أهلك » .
وأهدى البون ملك الروم إلى مسلمة بن عبد الملك لؤلؤتين وهو بالقسطنطينية، فشاور أهل العلم، من ذلك الجيش فقالوا: لم يهدها إليك إلا لموقعك من هذا الجيش، فنرى أن تبيعها وتقسم ثمنها على هذا الجيش، فثبت بفعل النبى - صلى الله عليه وسلم - وقول أهل العلم من بعده أن الذى كان من رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هدية من رد من المشركين كان لما وصف لك، إذ من المحال اجتماع الرد والقبول في الشىء الواحد والحال الواحدة، فبان أن سبب قبوله، عَلَيْهِ السَّلام، ما قبل غير سبب رده ما رد منه.