فى تفسير الحسن قال قتادة وابن زيد: ثم نسخ ذلك، ولا يجوز اليوم مهاداة المشركين ولا متاحفتهم إلا للأبوين خاصة؛ لأن الهدية فيها تأنيس للمهدى إليه، وإلطاف له، وتثبيت لمودته، وقد نهى الله عن التودد للمشركين بقوله: {لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون} [المجادلة: 22] الآية، وقوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا} [الممتحنة: 1] الآية.
وإنما بعث عمر بالحلة إلى أخيه المشرك بمكة على وجه التأليف له على الإسلام؛ لأنه كان طمع بإسلامه، وكان التألف على الإسلام حينئذ مباحًا، وقد تألف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صناديد قريش، وجعل الله للمؤلفة قلوبهم سهمًا في الصدقات، وكذلك فعلت أسماء في أمها؛ لأن الله قد أمر بصلة الآباء الكفار وبرهما بقوله: {وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم} [لقمان: 15] الآية، فأمر تعالى بمصاحبة الأبوين المشركين في الدنيا بالمعروف، وبترك طاعتهما في معصية الله.
وروى البخارى في حديث أسماء: إن أمى أتتنى وهى راغبة، بالباء من الرغبة في العطاء، ورواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن أبى شعيب، حدثنا عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة: راغمة، بالميم.
وفسره الخطابى، قال: راغمة، أى كارهة لإسلامى وهجرتى. وقال بعض أصحابه: معناه هاربة من قومها. واحتج بقوله تعالى: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعة} [النساء: 100] ، وأنشد للجعدى يمدح رجلًا:
كطود يلوذ بأكتافه
عزيز المراغم والمهرب
فلو كانت أرادت به المضى لقالت: مراغمة، لا راغمة، وكان أبو عمرو بن العلاء يتأول في قوله تعالى: {مراغمًا كثيرًا} [النساء: 100] ، قال: الخروج من العدو برغم أنفه، وراغبة بالباء أظهر في معنى الحديث.
29 -بَاب لاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِى هِبَتِهِ وَصَدَقَتِهِ